الأحد، 29 نوفمبر، 2015

الإيموجي نسخة الإسبرانتو الجديدة

 بالتأكيد أن الطبيب البولندي "لودفيك زامنهوف" لم يكن يتصور يوما ما أن مشروعه الطموح بلغة عالمية مشتركة يفهمها كل البشر سيتحول في النهاية إلى لغة أقرب ما يكون إلى أصل الكتابة، حينما كانت مجرد رسوم ورموز!
هذا ما يحدث اليوم مع رموز "الإيموجي" التي ابتكرها الياباني "شيجيتاكا كوريتا" عام 1998 ليتجاوز صعوبة إيصال مشاعره إلى زملائه عبر رسائل الهاتف والبريد الإلكتروني، والتي سرعان ما تلقفتها شركات مشغلي الهواتف الجوالة في اليابان، وكانت مجرد وجوه ضاحكة ورموز بدائية، اطلق عليها مسمى "إيموجي Emoji"، وهي كلمة نحتت من كلمتي "e" وهي اختصار كلمة الصورة, و"moji" التي تعني الحرف أو الرمز، والتي بعد انتشارها خارج اليابان عام 2010 وحّدت أكوادها، لتظهر بشكل متماثل في جميع الهواتف النقالة ومشغلي الشبكات، كما لو كانت لغة مستقلة في حدِ ذاتها.




والعجيب أن هذه الرموز توسّعت وانتشرت في العالم خلال سنوات قليلة، بل أضحت أكثر انتشارا من لغة "الإسبرانتو" العالمية التي كانت وما تزال المحاولة الوحيد المعتبرة لجمع بني البشر على لغة واحدة مشتركة، غير أنها ومنذ أن ابتكرها "زامنهوف" عام 1887 لم تحقق النجاح المأمول، فهي ما تزال تستخدم على نطاق ضيق ضمن دوائر المثقفين والمهتمين باللغات واللسانيات، ولم تستطع تحقق هدفها أن تكون وسيلة الاتصال المحايدة والعادلة بين البشر، بحيث لا تنتمي إلى عرق واحد أو دولة واحدة، فضلا عن أنها تشعر المتحدث بالتساوي مقارنة بالتحدث بأحد اللغات الأخرى الشهيرة مع شخص يتكلمها كلغة أصلية.
ولعل أكثر الإحصاءات المتفائلة تقدر عدد متحدثي هذه اللغة بحوالى ثلاثمئة ألف متحدث حول العالم. منهم ثلاثمئة عربي فقط، رغم جهود اللجنة العربية التابعة لجمعية الإسبرانتو العالمية، بتوفير الكتب ومصادر التعلم، لكنها تبقى أقل من مستوى التوقعات وفي تراجع مستمر.
لكن يبدو أن لغة الرموز السهلة والملوّنة –الإيموجي- حققت خلال خمس سنوات ما لم تستطع "الإسبرانتو" تحقيقه خلال أكثر من مئة عام! وأضحت أسهل وسيلة اتصال تجمع بني البشر، لأنها تمكّن الجميع من اختصار الوقت والجهد خلال الكتابة.
ليس هذا وحسب؛ بل وحتى اختصار المشاعر والمعاني، وتحقيق عنصري الحيادة والمساواة بين طرفي الاتصال، الأمر الذي ساعد على تطور وتشعب استخدامها بشكل مذهل، بحيث أضحى كل مجتمع يتوافق على معاني أخرى مختلفة لبعض الرموز، كما هو استخدام رمز "الباذنجان" في الولايات المتحدة، أو الاستخدام التجاري للرموز كما يحدث حينما تطلب بيتزا من أشهر سلاسل البيتزا في أميركا، أو حتى حجز غرفة فندق بالطريقة نفسها، بل وصل الأمر إلى استخدامها ككلمة مرور، نظرا لأنها تعطي خيارات أوسع، إذ إن لغة "الإيموجي" توسع دائرة الاحتمالات الموجودة في 4 خانات إلى أكثر من ثلاثة ملايين خيار، بدلا من 7289 التي يمكن الحصول عليها مقابل رقم واحد صحيح.
أما على المستوى الثقافي، فلقد تجاوزنا مرحلة استغلال تلك الرموز في الرسائل والمقالات؛ حتى حدى الأمر بصحيفة "اليوم السابع" المصرية استخدام رمز وجه "الإيموجي" الحزين، وذلك في صدر "مانشيت" الصفحة الأولى؛ حين تغطيتها لغرق شوارع مدينة الإسكندرية شهر نوفمبر الماضي، فضلا عن النسخة الإنجليزية من موسوعة "ويكيبيديا" المفتوحة، والتي غالبا ما تربط جزءا من عناوين صفحاتها برمز  "الإيموجي" المناسب، مثل ربط موضوع عن البرتقال برمز برتقال الإيموجي.
بالطبع، يتزايد استخدام هذه الرموز كل يوم دون أن نشعر، ويتجاوز أثرها المستوى الاجتماعي والاتصال الجمعي، فهي اليوم أضحت جزءا أصيلا من اللغة الأكثر انتشارا في العالم، فها هي هيئة تحرير قاموس أكسفورد العريق لمفردات اللغة الإنجليزية تختار أحد رموز الإيموجي كلمة هذا العام 2015! وهو الوجه بدموع الفرح! نظرا لأنه كان الأكثر انتشارا هذا العام، وهذا ما يؤكد أننا أمام طوفان متعاظم لهذه الرموز، وأنها قد تصبح يوما أداة التواصل البسيط بين عموم البشر، خصوصا ممن لا يتحدثون إلا بلغتهم الأم، أو ممن لا يجيدون استخدام تقنيات الترجمة.
حتما أن "الإيموجي" ستزداد انتشارا وتأثيرا، خصوصا مع التحديث الجديد الذي ظهر بألوان أعراق البشر! كما أنها ستزداد تعقيدا وتشعبا، وستتداخل بشكل أوسع في التعاملات الشخصية وحتى التجارية. السؤال الأهم: إلى أي حد أقصى ستأخذنا هذه الرموز؟ وإلى أي مدى سنتقبل تكاثرها حولنا؟ لننتظر ونرى.

عبدالرحمن السلطان






الاثنين، 16 نوفمبر، 2015

بعد الثانوية وقبل الجامعة

دعني أصارحك القول.. لو عاد بي الزمن من جديد؛ لاخترت التوقف عن الدراسة عاماً كاملاً بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة وقبل التحاقي بالجامعة!
نعم سوف أتوقف عن الدراسة تماماً وأعيش مغامرة ما يطلق عليه: "عام التفرّغ" Gap Year، وهي الأشهر الاثني عشر التي تلي الحصول على الشهادة الثانوية العامة دون الالتحاق مباشرة بدراسة نظامية سواء كانت جامعية أو دون جامعية، والفكرة ببساطة تتمحور بمزيدٍ من التعرّف على النفس واهتماماتها، خصوصاً مع التحرّر من الالتزام الدراسي اليومي، وضغوط الوالدين والعائلة، والهرب من تفضيلات الأصدقاء وتوصيات المعلمين.




بمجرد الانتهاء من العام الدراسي الأخير في التعليم العام ينطلق الشاب في رحلة جامحة بعيداً عن منزله، ليختبر العمل في وظائف مختلفة، وليشارك في أعمال تطوعية متنوعة، وليمارس هوايات واهتمامات لم يكن يجد الوقت الكافي لها، وليسافر دون تخطيط وبميزانية منخفضة، ليختلط بثقافات لم يعهدها، وليعاشر من لم يعرف من قبل، والرائع أن كل يوم من أيام هذه السنة قد يضيف من المعارف والخبرات ما يفوق ما جناه الشاب خلال سنواته الثلاث الأخيرة، والتجربة خير برهان على أن هذه الأشهر قد تغيّر من بوصلة التخصص الجامعي إلى شيء يحبه ويرغب به، على عكس ما كان يعتقد حينما كان يفكر ويفاضل نظرياً بين التخصصات خلال عامه الأخير في المرحلة الثانوية، أو قد تقوده إلى مسارٍ آخر في حياته لم يكن يجرؤ أن يفكر به!
خلال السنوات الماضية توسع الاهتمام بهذا المفهوم، إذ تكاثر عدد الجمعيات غير الربحية المتخصصة في توجيه الشباب نحو استغلال أمثل لهذه السنة، ناهيك عن المجلات والشركات المتخصصة، بل إن عدداً متزايداً من الجامعات أضحى أكثر اهتماماً بتشجيع الطلاب على خوض غمار هذه التجربة، كما هو الحال في جامعات النخبة الأمريكية التي يزداد اهتمامها بسنة "التفرّغ" عاماً بعد عام، نظراً لأثرها الملاحظ على نضج الطلاب القادمين بعدها، فجامعة "هارفرد" العريقة تشجّع مثل هذه المبادرة، وتوّفر فرصة تأجيل الدارسة لسنة واحدة، لمن يلتحق ببرنامج سفر أو مشروع خاص، وغالباً ما تصدر الموافقة سنوياً على تأجيل قبول 110 من الطلاب والطالبات كل عام ممن يفضلون قضاء سنة التفرّغ قبل السنة الجامعية الأولى. ناهيك عن بعض الجامعات التي تقدم برنامجاً مجدولاً لسنة التفرّغ، الذي قد تصل رسومه إلى ثلاثين ألف دولار أميركي!
بل إن جامعة "تافت" العريقة في بوسطن أطلقت هذا العام برنامج: "1+4"، مستهدفاً جمهور الطلاب ممن يرغبون فرصة الفوز بسنة التفرّغ قبل الدراسة الجامعية التقليدية، بحيث يختار الطالب ما يناسبه من فرص التجارب داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ثم بعد نهاية العام يلتحق بحرم الجامعة في تخصصه العلمي، والرائع في الأمر أن الشاب لا يجب أن يقلق من التكلفة فسنة التفرّغ في جامعة "تافت" تمول ميزانيتها من مؤسسات خيرية تستهدف رفع مستوى وكفاءة طالب الجامعة الأميركي.





وفي حقيقة الأمر أن كثيراً من الخبراء ينصحون بالتخطيط العام المسبق لهذه السنة، دون الغوص في التفاصيل الدقيقة، كون الإغراق في التحضيرات سوف يحرم الشاب من متعة المغامرة ولذّة اتخاذ القرار، بالإضافة إلى أن الفكرة الأساسية هي التعرّف الحقيقي على النفس وكوامنها، وهو الأمر الذي لن يحدث حينما تكون مخططاً لكل شيء بالتفصيل، كما يؤكد –الخبراء- أن أثر هذه السنة المختلفة سوف يكون أكبر من توقع الشاب، وسوف تكشف له عن كثير من الدواخل والاهتمامات، وسوف تُنير له درب مستقبله، بدلاً من إضاعة زهرة ربيع عمره في ما لا يحب ولا يرغب.
دعني أسألك سؤالا قد يكون محرجاً، لكنه بالتأكيد سوف يجعلك تعيد التفكير بما جناه استعجالنا للحصول على الشهادة الجامعية: ماذا لو عاد بك الزمن، وعشت سنة التفرّغ هذه وخبرت تجارب مختلفة خارج محيط عائلتك ومسقط رأسك؛ هل سوف تختار نفس تخصصك الذي تخرجت به أم لا؟ أكاد أجزم أن الكثيرين سوف يمزّ شفته ويؤكد أنه قد يختار تخصصاً آخر. لذا عزيزي طالب الثانوية العامة فكّر بهذه الفرصة، وتذكر أنها مجرد سنة واحدة لا تمثل شيئاً يذكر في مجمل حياتك الطويلة – بمشيئة الله-، لكنها قد تكون سبب سعادتك ونجاحك

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 11 نوفمبر، 2015

في النهاية هي صناعة!

هل يمكن أن تحزر العدد الكلي لفريق عمل الجزء الثالث من الفيلم السينمائي: «الرجل الحديدي»؟ البعض قد يفكر بما لا يقل عن خمسمائة فني وتقني، عطفاً على تخمة الخدع السينمائية وتعدد مواقع التصوير، أو قد يزيدها إلى ألف مشارك كحد أقصى! بينما الجواب الصحيح هو 3310! نعم أكثر من ثلاثة آلاف عملوا على إنتاج فيلم سينمائي واحد فقط! وهو ما تفوق على الرقم القياسي المسجل قبل سنوات لفريق عمل الفيلم الشهير: «أفتار» ب 2984 شخصاً!




بالطبع هذا العدد الهائل لفريق العمل يسهم في رفع جودة تفاصيل المنتج النهائي، فليس الأمر متعلقاً بفكرة وسيناريو الفيلم، ولا أيضاً رؤيته الإخراجية، كما نفعل – نحن- دوماً في أعمالنا الفنية، بل إن تحوّل الفنون في الغرب إلى صناعة متكاملة يجعل الاهتمام بالتفاصيل كافة مهما كانت ضئيلة أساساً لا يمكن تجاوزه، فالمشاهد – أو الزبون بعبارة أخرى- يستحق أن يستمتع بعمل فني متكامل الأركان، عملاً يقنعه بكامل بيئته.
ودعنا نبقى مع «الرجل الحديدي» إذ إن إطلالة سريعة على القائمة النهائية لفريق العمل لتنبئنا عن مدى التنوع الغني بين أعضاء الفريق، حيث هناك 14 منتجاً منفذاً، وخمسة مشرفين فنيين، 40 فني مكياج، 750 تقني خدع سينمائية، وهلم جرا في كل تخصص ومجال، وهم بالتأكيد من يحوّل القصة إلى منتج نهائي يجذب الملايين لمشاهدته والاستمتاع بكل مشهد ولقطة، وهذا الأمر ينطبق كذلك على أفلام السينماء الأمريكية الأخرى، التي يحتاج أغلبها إلى أكثر من سنة ونصف من العمل الدؤوب حتى يصل إلى دور السينما! وبالطبع هناك جحافل ضخمة تكدح لأشهر متواصلة حتى يستمع المشاهد في النهاية بساعة ونصف أو أقل، دون أن يعلم أن متوسط عدد من يعمل في أي فيلم من الفئة المتوسطة لا يقل عن خمسمائة مبدع! الأمر الذي يعتبر من سابع المستحيلات أن يحدث في صناعة السينما أو المسلسلات العربية.
أعتقد أنه حان الوقت اليوم لننظر إلى الفنون من زاوية أخرى، قد تكون هي العلاج الناجع لمسيرتنا الفنية التي تتراجع كل يوم، فسرّ نجاح وانتشار الإبداع الفني في الغرب هو تحوّله إلى صناعة متكاملة ذات عوائد مجزية، بداية من جذب الكتاب المؤهلين، واستقطاب الفنانين المبدعين، ليس فقط مجال التمثيل والإخراج، بل جميع التخصصات الفنية كالإضاءة والصوتيات والمكياج والخدع، انتهاءً بالتسويق وبيع الحقوق والتذاكر الإلكترونية، وبالطبع كل هذه المنظومة المتشعبة من المشاركين تسهم في تحقيق النجاح على المستوى الفني، وعلى مستوى العوائد المالية، مما يفتح لأعمال فنية آخرى وهكذا
أعرف أن سقف طموحنا مرتفع، وأن أحلامنا الفنية قد يصعب تطبيقها، لكنني مؤمن أننا جميعاً سوف نسعد، بل سوف نزداد التهاماً لإبداعاتنا؛ فقط دعونا نفكر بمنطق صناعي متكامل ولو لمرة واحدة.


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في مجلة اليمامة, الصادرة بتاريخ 11 نوفمبر 2015م