الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2015

ابحث عن هذا المدير السخي


في يوم عمل عادي فاجأ رائد الأعمال الشاب "دان برايس" البالغ من العمر 31 عاماً موظفيه قبل مستثمري شركته بتخفيض راتبه السنوي من مليون ومائة ألف دولار إلى 70 ألف دولار فقط! ليس هذا وحسب، بل تجاوز ذلك إلى رفع رواتب موظفيه إلى أرقام فلكية!




 بدأت فصول هذه القصة المثيرة قبل ما يزيد على العام، حينما عرف مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Gravity Payments أن اثنين من موظفيه المبتدئين قد رشحاه لنيل جائزة رائد أعمال الإعلام لعام 2014، وكانا سبب نيله الجائزة، مما جعله يفكر في أن هذين الموظفين قد فعلا أكثر مما فعل هو ودون أن يطلب منهم أحدٌ ذلك! يقول (برايس): "كان شابان يتلقيان أجراً منخفضاً وجعلاني أنا من يتلقى مليون دولار كأجر سنوي أن أظهر على غلاف مجلة رواد الأعمال"! بعد ذلك وفي أبريل الماضي، وقعت عينا الملهم "برايس" على دراسة مسحية عن السعادة نشرت قبل 5 سنوات، أجراها "دانيال كانيمان" و"أنجوس ديتون" اعتماداً على البيانات الضخمة لمنظمة "جالوب" لقياسات الرأي العام والإحصاءات التي حاولت دراسة تأثير الدخل على عاملين اثنين من عوامل السعادة الشخصية: الأول الرفاه العاطفي، والثاني مستوى جودة الحياة، فالرفاه العاطفي يشير إلى جودة العواطف في تجربة الفرد اليومية، مثل مدى تكرار وكثافة كل من: الفرح والتوتر والحزن والغضب والمودة، التي تجعل حياة الإنسان سارة أو غير سارة، أما تقييم مستوى الحياة فهو يشير إلى أفكار الإنسان عن حياته حينما يفكر بها، وكان سؤال الباحثين يتمحور حول إمكانية أن يشتري المال السعادة الناتجة عن هذين العاملين؟ وقاما بتحليل إجابات 450 ألف شخص من قاعدة البيانات، ووجدا أن الرفاه العاطفي وتقييم جودة الحياة لهما ارتباطات مختلفة بالعوامل الأخرى، فمثلاً تقييم جودة الحياة يرتبط بالدخل والمستوى التعليمي بشكل أكبر، بينما تؤثر الصحة، والوحدة، والتدخين بشكل أكبر على مشاعرنا اليومية "الرفاه العاطفي"، وبالطبع فإن الزيادة المطردة في الدخل "الأجر الشهري" تؤدي إلى زيادة مطردة في هذين العاملين، بيد أن المثير هنا أن هذا التزايد "السعادي" يتوقف حينما يصل الدخل السنوي إلى سقف 75 ألف دولار "أي حوالى 22 ألف ريال شهرياً"، ويبقى دون زيارة حتى مع ارتفاع الدخل!
 هنا قرر "برايس" أن يكون سبباً في سعادة موظفيه الـ120، وأن يضرب عصفورين بحجر واحد، فالدراسة تؤكد أن فعالية وسعادة موظفين تكون في أعلى درجاتها حينما يناهز الأجر السنوي سقف 75 ألف دولار أميركي سنويا، وعلى الفور اجتمع رائد الأعمال الشاب بموظفيه وأعلن رفع حد الأجور الأدنى في شركته إلى 70 ألف دولار سنوياً لكل موظف، بدلاً من المتوسط الحالي البالغ حينئذ 41 ألف دولار سنوياً، كما أعلن خفض راتبه هو بنسبة 90 % ليصل إلى هذا المعدل الجديد! والسبب أنه كان بحاجة إلى توفير مورد مالي ليرفع أجور موظفيه، وهو ما حدث بالفعل.






 أصيب الجميع بالدهشة، وتصدر "برايس" نشرات الأخبار العالمية، لدرجة أنه ذُكر أكثر من نصف مليار مرة في وسائط الاتصال الاجتماعي، وتلقى 4500 طلب توظيف خلال أسبوع، مما جعل البعض يعتبر ما حدث نقلة محورية في مجال إصلاح هيكل تراتبية الأجور، وكأنما تحوّل "برايس" إلى "روبن هود" المديرين التنفيذين! وهو ما شجع "تامي كارول" على أن تترك وظيفتها كمديرة تنفيذية في "ياهو" وتلتحق بالعمل معه بأجر يقل عن أجرها السابق بـ80 %! بيد أنه مضى في خطته لا ليحول موظفيه إلى أثرياء بين ليلة وضحاها؛ بل ليجعلهم يحصلون على ما يعتقد أنه الأجر العادل لحياة قابلة للسعادة والمتعة.
 في مقابل ذلك استقال اثنان من مديري الشركة، بدعوى أن القرار غير عادل وأنه يساوي بين الموظفين "المهمين والأقل أهمية"، على حد تعبيرهم، كما أن أخاه الأكبر -وهو شريك في الشركة- رفع دعوى قضائية ضده، لكن "برايس" لا يزال عنده موقفه، فهو مؤمن بأن السعادة كما النجاح من الممكن مشاركتها، وأن أولى مسؤوليات أي مدير هي أن يحرص على أن يهيئ البيئة المناسبة لفريق عمله، وحتما أن أي بيئة تبدأ بالأجر المجزي، الذي يتجاوز الموظف إلى عائلته ومحيط حياته، وبالتالي فإن العائد على العمل أكبر مما نتوقع.
 لا يزال يدور جدل كبير حول خطوة "برايس" وأثرها على قوائم الشركة المالية، التي يتوقع أن تظهر خلال 3 سنوات، ورغم أن "برايس" اضطر أخيرا إلى تأجير منزله في "سياتل" ليفي بالتزاماته الشخصية، إلا أنه يؤكد أنه لم يشعر بسعادة كهذه، الشيء الوحيد المؤكد هنا أننا جميعاً بحاجة لمثل هذا المدير السخي، الذي فعل ما عليه وبقي ما على موظفيه.

عبدالرحمن السلطان


 

الخميس، 17 ديسمبر، 2015

هل أنت مصاب بــ«بنجي»؟

نعم قد تكون مصاباً بظاهرة لا تكاد تعرف عنها شيئاً! ذلك أن تغير طبيعة وانتشار وسائل الاتصال المحيطة بنا قد غيّر دون أن نشعر في طبيعة سلوك تعاملنا معها، ولعل أهم التغيرات هو سلوك مشاهدتنا للتلفزيون.
فمن التسمّر أمام قناة واحدة أو اثنتين؛ أضحى الفضاء التلفزيوني بلا حدود، وأصبح المشاهد هو سيد الموقف بواسطة جهاز تحكمه الذاتي، ثم ظهرت أجهزة الاستقبال المتطورة، التي مكنتنا أن نشاهد ما نشاء وقت ما نشاء، وبالطبع مع هذه التطورات أضحى المشاهد أقل صبراً وأكثر شغفاً بمشاهدة كل ما يريد وقت ما يرغب، لدرجة أن يشاهد حلقات متتالية من برنامج أو مسلسل واحد في جلسة واحدة متتالية، قد تمتد لأكثر من ست إلى ثماني ساعات متواصلة! دون كلل أو ملل وهي الظاهرة التي وجدت طريقها هذا العام إلى قاموس «كولين» لمفردات اللغة الإنجليزية، فمصطلح Binge watch حسب قاموس «أكسفورد»: يعني مشاهدة حلقات متعددة لبرنامج تلفزيوني خلال جلسة واحدة وبسرعة، بواسطة أقراص مدمجة أو مشاهدة رقمية.



وكانت هذه الظاهرة قد ظهرت على استحياء قبل عقدين مع المسلسلين الشهيرين: «لوست» و«بريزن بريك»، لكنها لم تتسع نظراً للحاجة لشراء الأقراص المدمجة أو انتظار تسجيل الحلقات من القنوات العارضة آنذاك، بيد أن توسّع المشاهدة عبر الإنترنت جعل مشاهدة أكثر من حلقة أسهل من أي وقت مضى، حتى تحوّل الأمر إلى سلوك متكرر غير مستغرب من جمهور المشاهدين، وليس فقط مهووسي المسلسلات والدراما، فلك أن تتصور أن 73 % من مشتركي شبكة «نيتفلكس» الأمريكية -أكبر شبكة تلفزيون مدفوع عبر الإنترنت- يقولون إنهم يشاهدون ما بين حلقتين إلى ست حلقات من المسلسل الواحد في جلسة واحدة! الأمر الذي جعل الشبكة تبث العام الحالي جميع حلقات الموسم الثالث من مسلسلها «بيت من ورق» دفعة واحدة! على عكس حلقات الموسمين الأول والثاني والتي كانت تبث حلقة واحدة كل أسبوع.
يكاد الجميع يقع في فخ المشاهدة المنهكة والسريعة لعشرات الساعات دون أن يفصلها بشيء، الأمر الذي يُفقد المشاهد حس التشويق والإثارة، كونك سوف تعرف ما سوف يحدث الآن وليس غداً أو بعد أسبوع كما كان يحدث سابقاً، ولست أذيع سراً أنني سبق ووقعت في هذا الفخ، حينما شاهدت جميع حلقات مسلسل «العراف» لعادل إمام خلال أربعة أيام فقط!
هذا الهوس بالمشاهدة المتلاحقة جعل البعض يتبرع بنشر قوائم للبرامج والمسلسلات التي تستحق أن تشاهد «بنجي»؛ فإثارتها وتشويقها تستحق أن تلتهم الحلقة وراء الآخرى على عكس أغلب البرامج، وهو ما جعل بعض الشبكات المفتوحة تستفيد من هذا الهوس بجعل المشاهد يدفع مقابل مشاهدة حلقة إضافية قبل الجميع.
لست مع أو ضد المشاهدة المتلاحقة، التي تتوسع يوماً بعد يوم، ولكن أليس تكرار هذه الممارسة تقتل روح المتعة والدهشة؟ أليست هذه الممارسة مرهقة للعين والعقل؟ بيد أنها بالتأكيد متعة لا توصف حينما تسارع بالانتقال للحلقة التالية دون أن تنتظر حتى مشاهدة «تتر» النهاية..


عبدالرحمن السلطان




الأحد، 13 ديسمبر، 2015

نانو سعودي حقيقي

أعرف أن الحديث عن الإنجازات العلمية المحلية أضحى مثيرا للارتياب، خصوصاً مع تكرار قصص سيارة "غزال" ومثيلاتها في مختلف الجامعات والمعاهد السعودية، والتي يكتشف بعد حين أنها مجرد مبالغة علمية وفرقعة إعلامية، أو حتى إنجازات المبتعثين التي لا يصدح بها سوانا! لكن دعونا نركز هنا على إحدى أهم التقنيات، والتي ملأت إعلامنا بكثير من الوعود والعجيب من الأحلام وهي تنقيات النانو، ولنطرح سؤالنا -ونحن نقترب من عامنا العاشر في تقنيات النانو- هل توجد نجاحات سعودية حقيقية في هذا المجال؟
الجواب: نعم! صدّق أن هناك نجاحات مبهرة وإضافات معتبرة للبحث العلمي؛ لكنها لم تعد تظهر في وسائل الإعلام المحلية، إما خوفاً من عدم التصديق والاهتمام بسبب ما حدث قبل سنوات من بهرجة دعائية وزخم إعلامي واسع، أو بسبب ابتعاد الإعلام والناس عنها وفقد الأمل منها، فهناك مثلاً معهد الملك عبدالله لتقنية النانو الذي تأسس عام 1428 في جامعة الملك سعود، والذي خلال 9 سنوات استطاع بناء وتشكيل عدة مجموعات بحثية متخصصة في مجالات حيوية مختلفة، مثل الطاقة، وتحلية المياه، التطبيقات الصحية، وهذه المجموعات كانت تعمل بصمت خلال السنوات الماضية على تطوير المواد النانوية وربطها بالتطبيقات المختلفة.





فمثلاً في مجال تحلية المياه، وهو الموضوع المهم لحاضرنا ومستقبلنا يعمل الباحثون –حالياً- على إيجاد أغشية بوليمرية مطعّمة بمواد نانوية بهدف تحسين كفاءة عملية إزالة الأملاح وخفض الكلفة التشغيلية لتلك الأغشية، إضافة إلى إطالة عمرها التشغيلي وتقليل مشكلة تضررها وفسادها. وهو ما سوف يساعد على تخفيض فاتورة تحلية المياه في المملكة والتي تتضاعف عاماً بعد عام، ويخفف الأعباء عن محطات التحلية الذي تجاوز بعضها عمرها الافتراضي! إضافة إلى ذلك فقد طور الباحثون الألياف البوليمرية المفرّغة والمغطاة بطبقة من أكسيد التيتانيوم النانوي لاستخدامها في تقنية الترشيح النانوي. كما يتم العمل أيضا على تطوير جيلٍ جديدٍ من الأغشية، كتقنية تحلية المياه بالتفريغ، وتقنية التناضح الاسموزي الأمامي.
لكن ما الذي يمكن أن تقوم به المواد النانوية في العلوم الصحية؟ بالطبع هناك كثير من الأفكار، ومنها فرصة استخدامها كحاملات للأدوية. وهو ما استطاعت إحدى المجموعات البحثية السعودية في المعهد تحضيره، وذلك بتطوير مواد نانوية يحتوي لبها على مادة ذات خصائص مغناطيسية، بينما يتكون الغلاف من أكسيد السيليكون المسامي. بحيث تحمل الدواء في الغلاف المسامي بينما يعمل اللب المغناطيسي على توصيله بشكل مستهدف لأي عضو في الجسم تحت تأثير المجال المغناطيسي الخارجي. وكذلك فكرة تطوير كريات نانوية ذات لب من حبيبات الفضة أو سبيكة الفضة -الذهب وغلاف السيليكا المسامي، وتمتاز تلك الكريات النانوية بالقدرة على قتل خلايا السرطان بوسيلتين متزامنتين! وهما تأثير الضوء الحراري المنبعث من اللب والتأثير العلاجي للدواء الكيميائي المعبأ بمسام الغلاف.
دون أن نُغفل تطبيقات النانو في تطوير خلايا الطاقة الشمسية، مثل خلايا البيروفيسكايت، أو الخلايا الشمسية الصبغية، أو حتى خلايا النقاط الكمية، حيث يقوم خبراء المعهد إضافة إلى طلاب الماجستير والدكتوراه بتطوير مواد نانوية ذات فعالية كبيرة في امتصاص الطيف الشمسي، وكذلك تطوير أنظمة نقل كهربائي فعالة عبر التحكم في الأشكال النانوية لمواد النقل وفي خصائصها الفيزيائية الأخرى، بما يحقق كفاءة نقل كهربائي أفضل، وذلك لتجاوز أحد أكبر معضلات كفاءة الخلايا الشمسية حالياً.
ما سبق كان أمثلة من إنجازات علمية سعودية حقيقية لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، ولم يظهر مبدعوها ليل نهار في منصات الاتصال الاجتماعي، الأمر الذي يؤكد أن لدينا جيلاً مبدعاً من العلماء والباحثين السعوديين الحقيقيين، ممن يعمل بصمتٍ ودون البحث عن الظهور الإعلامي، إذ إن الأصل هو أن يبحث المحرر العلمي في الوسيلة الإعلامية عما يحدث في المعامل ومراكز الأبحاث وليس العكس، وهو ما يؤكد عليه دوماً الدكتور أوس بن إبراهيم الشمسان "عميد معهد الملك عبدالله للنانو"، الذي يؤمن بأن الإنجاز وتحقيق إضافة حقيقية لمسيرة البشر العلمية أهم وأولى من ملاحقة وسائل الإعلام بمعلومات تؤثر سلباً على مصداقية البحث العلمي ورجاله.
نحن اليوم مطالبون بمزيد من بث هذه الروح العلمية الصادقة في أروقة مراكز البحث والجامعات السعودية، فمتى آمن الباحث السعودي بأن جهده سوف يصل ويعرف بالطريقة والمستوى المناسب، وأن أصحاب الإنجازات الفارغة والأبحاث الورقية سوف يتم تجاهلهم؛ حتماً سوف يبدع ويركز في عمله، وسوف نفخر جميعاً بمنجزه.


عبدالرحمن السلطان







الاثنين، 7 ديسمبر، 2015

520 محاولة

حينما توفي الروائي الأميركي "راي برادبيري" قبل 3 سنوات أوصى ابنته "الكسندرا" أن تحفر مؤلف "فهرنهايت 451" على شاهد قبره! عرفاناً وتقديراً للرواية التي حققت شهرته، ودفعت به إلى الصفوف الأمامية.





هذه الرواية التي تحوّلت إلى إحدى أبرز كلاسيكيات الأدب العالمي خلال النصف الثاني من القرن الماضي؛ لم تكن سوى نتيجة تلقائية لسنوات دؤوبة من القراءة والكتابة والتجربة التي لم تتوقف يوماً واحداً، فلم يكن مجرد كاتب هاوٍ يقضي وقت فراغه في الكتابة، بينما يكسب رزقه من موارد أخرى، بل كانت الكتابة محور حياته وبهجة روحه وكل شيء تقريباً، ولكن كيف له أن ينتج شيئاً مختلفاً؟ شيئاً يمنحه عضوية نادي عظماء القلم؟ وهو يفعل ما يفعله بقية الكتاب؛ يقرأ بجدٍ ويفكر بعمق ثم يكتب!
الخطة كانت واضحةً تماماً، عيبها الوحيدة أنها طويلة الأمد ومنهكة كذلك! إذ إن "برادبيري" ومنذ أن خط أول قصة قصيرة عام 1941 وهو لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية؛ اتخذ قراره بضرورة كتابة قصة واحدة كل أسبوع! ليستمر على هذا الإصرار 10 سنوات متتالية، وينجح في تحديه بإنجاز 520 قصة قصيرة مختلفة! ليكون هذا البرنامج المرهق أفضل وسيلة لصقل الموهبة وانتخاب الأفضل.
الشيء الآخر الذي تميّز به ركض "برادبيري" المتواصل أنه استطاع جمع عددٍ لا يحصى من الأفكار المبتكرة، خصوصاً وأنه تخصص في فرع "الخيال العلمي"، الذي يعتمد على الفكرة الخلاقة أكثر من الأسلوب والبلاغة اللغوية، وهو ما يمكن ملاحظته في قمة رواياته: "فهرنهايت 451" الزاخرة بأفكار مستقبلية متعددة نجدها اليوم واقعاً معاشاً، مثل أجهزة الصراف الآلي، شاشات التلفاز المسطحّة، سماعات الأذن لأجهزة الأيبود وغيرها، والغريب أنه سئل في مقابلة شخصية عن كيفية تكهّنه بكل هذا في كتاب واحد؟ فأجاب أنه يستخدم خياله عندما يكتب، وقال "شخصياتي قامت بكتابته، كل الأفكار جاءت منهم! وعندما تتحدث شخصياتي أستمع لها جيداً" على حد تعبيره.
الشيء الآخر الذي يكاد يكون سبب نجاح مسيرته الإبداعية هو اتباعه نظام كتابة بالغ الشدة، ففي العشرينات من عمره التزم "برادبيري" هذا البرنامج الأسبوعي الصارم: صباح يوم الاثنين يكتب المسودة الأولى لقصة جديدة، ثم يوم الثلاثاء المسودة الثانية للقصة نفسها، ثم يوم الأربعاء المسودة الثالثة، ثم الرابعة يوم الخميس، ثم الخامسة يوم الجمعة، حتى ينتهي من النص ظهر السبت حينها يرسلها إلى ناشره في نيويورك، ونظراً لحالته الاقتصادية وتفرّغه للكتابة فلقد كان ملتزماً بهذا البرنامج طمعاً أن يفوز ببيع قصة أو اثنتين من محاولاته الأسبوعية كل شهر، حتى يستطيع الحصول على 20 أو 40 دولارا تمكّنه من العيش على السجق والشطائر والمعلبات.
ولك أن تتصور أن رواية "فهرنهايت 451" كتبها "برادبيري" خلال 9 أيام فقط! كان يذهب فيها إلى مكتبة جامعة كاليفورنيا صباحاً بالحافلة ويعود إلى منزله ليلاً، وبالطبع فإن مخزونه المعرفي المتراكم المبني على قراءة واسعة النطاق، واستمتاعٍ بمتع الحياة المتنوعة، ومسودات قصصه المتعددة؛ مكنّه من إنجاز أيقونته بكل سلاسة، والرائع في الأمر أن اختياره لموضوع الرواية -وإن كان ردة فعل غير مباشرة للمرحلة الماكارثية- إلا أنها كانت مرتبطة بحبه لمنتجه النهائي: الكتاب، فهي تشير إلى درجة الحرارة التي يشتعل فيها ورق الكتب، وذلك حينما نجد أنفسنا في المستقبل تحت رحمة نظام سلطوي شمولي، يعتمد على الصورة التلفزيونية كأسلوب دعاية سياسية مباشرة، ويطلق رجال الإطفاء لملاحقة الكتب ثم حرقها، مما يخلق مناخ إرهاب ثقافي مروّع، ونزعة نحو تسطيح الفكر، ومحاربة العقل الجدلي الحر.






لم يكن "برادبيري" مختلفاً عن مجمل الكتّاب والروائيين من ذوي الموهبة والإبداع، لكنه استطاع التفوّق عليهم والدخول إلى قائمة الأدباء العظماء لأنه آمن أن الكتابة ليست مجرد عمل روتيني ممل؛ بل عملية إبداعية تحتاج إلى جهد بدني، "تحتاج أن يضع الفنان فيها من دمه ولحمه"، ليس هذا وحسب بل من الضروري -فوق ذلك- أن يستمتع بها كمزحة أو مغامرة مدهشة، وهو ما يمكن أن نلمسه في بقية ما كتب "برادبيري" من روايات وقصص، التي حتماً كانت نتاج أكثر من 520 محاولة، انتخب منها الأفضل، ليضيف وحده إلى التراث الإنساني: 13 رواية و400 قصة قصيرة، تستحق القراءة والاستمتاع.

عبدالرحمن السلطان