الأحد، 25 ديسمبر، 2016

تخيّل صيدلية بلا صيدلي ..!


بالتأكيد أنك سوف تتعجب من هذه البدعة الجديدة التي لم يسبقنا إليها أحد, ولكن يبدو أنها هي الحل غير المسبوق الذي تفتقت عنه أذهان المسؤولين عن سوق العمل, فشرط أن يكون الصيدلي هو من يعمل في الصيدلية أمسى عائقاً – في نظرهم - أمام توطين النشاط, فصار الحل السهل هو إلغاء "المتطلب التأهيلي للصيدلي العامل في الصيدلية" على حد تعبيرهم, أي بعبارة أوضح: الاستغناء عن الصيدلي!
 
 
لست في معرض الحديث عن الدور المحوري الذي يقوم به الصيدلي, فهو المتخصص الخبير في علوم الدواء وما يتفرع عنها, وهو الحامل لذخيرة علمية وعملية تقف بالمرصاد للأخطاء الطبية, سواء داخل المستشفى, أو في خط التماس في صيدليات المجتمع, وأثره ملموس كما توضح ذلك العشرات من الدراسات المنشورة عن قياس أثره الصحي والاقتصادي, متى ما أعطي الصلاحيات ودعم بالإمكانات, كما هو تقرير الدراسة التي أجرتها الجمعية الصيدلية الكندية, وشملت 500 صيدلية مجتمعية في جميع مقاطعات كندا، وامتدت لمدة أربعة أسابيع فقط، وتناولت مدى تأثير التدخل الصيدلاني بالنسبة للأدوية الرفيّة OTC (تصرف بدون وصفة طبية)، إذ سجلت النتائج الآتية: توفير ما مقداره 79- 103 ملايين دولار كندي نتيجة التدخل الصيدلي المباشر، توفير ما مقداره 19 مليون دولار كندي نتيجة تحديد المرضى غير الملتزمين بالخطة العلاجية الموصوفة، توفير ما مقداره 168- 265 مليون دولار كندي نتيجة لتثقيف المرضى حول حالتهم المرضية وأدويتهم المستخدمة, وبواسطة تحليل بسيط لهذه النتائج يتضح أن إفساح المجال للصيدلي – وليس إلغاء دوره تماماً - للعب دوره أدى إلى توفير ما يقارب 388 مليون دولار أو ما يعادل 64 ألف دولار للصيدلية الواحدة! إضافة إلى ذلك أدعوكم للاطلاع على تقرير "مراجعة الخدمات الصيدلية في كندا وأثرها الاقتصادي على الصحة العامة" لعام 2016م والمتوفر على موقع جمعية الصيدلة الكندية, وفيه تفصيل أوسع عن دور الصيادلة في مكافحة التبغ وحملات لقاحات الأنفلونزا وغيرها من الخدمات الصحية.
الإشكالية الأخرى لهذه الفكرة العجيبة أنها تضرب بعرض الحائط جميع الأنظمة الصحية المعمول بها بالمملكة، إذ وحسب المادة الثالثة والعشرين من (نظام الممارس الصحي) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/53 وتاريخ 4/11/1426هـ يحظر صرف الأدوية إلا من قبل صيدلي مرخص، وهو بالمناسبة كل من يحمل شهادة بكالوريوس علوم الصيدلة أو الدكتوراه في الصيدلة من إحدى كليات الصيدلة بالمملكة أو ما يعادلها حسب المادة الأولى من (نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/31 وتاريخ 1/6/1425هـ, بل إن الفقرة (ب) من المادة الثالثة والعشرين تؤكد عدم السماح لفني الصيدلة – حامل دبلوم الصيدلة - أن يصرف الوصفة الطبية إلا تحت إشراف صيدلي مرخص له، فما بالك بصرفه من الآخرين!
المأساة الأخرى أننا وبعد عقود طويلة من وجود كلية واحدة للصيدلة في الجامعة الأم, أضحى اليوم لدينا أكثر من عشرين كلية صيدلة حكومية وخاصة! فهل يقابل هذا التصاعد الهائل لخريجي الصيدلة بمحاولة تقليص سوق العمل, وإقصاء الصيادلة عن ميدان عملهم الأساسي!
بالتأكيد إن هذه الفكرة خرجت دون استشارة المختصين من صيادلة وغيرهم, ودون الإدراك الكافي لمهنةٍ تعد ركناً أساسياً في منظومة الرعاية الصحية, وأن وزارة العمل سوف تتراجع عن خنق خط الدفاع الأخير قبل وصول الدواء للمريض.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان
 

 

الأحد، 18 ديسمبر، 2016

«كرانشي بيستاشيو»!

«غنيّة بحشوة الكرانشي بيستاشيو» هكذا تصف قائمة أطباق المطعم الفاخر أحد أهم أطباقه, وكأنما تلك الكلمات الأعجمية أضفت شيئاً من الفخامة والطعم الزائف للطبق, بينما المقصود بكل بساطة هو «فستق مقرمش»!
هذا المثال البسيط والمتكرر يعبّر عن واقع مزعج لما تتعرض لها لغتنا العربية, أو بالأحرى هوّيتنا الثقافية عبر وعائها الاتصالي, فالكلمات والجمل ليست مجرد أحرف وأصوات تتداولها الألسنة, ولكنها عمقٌ معرفي وتاريخي لأي أمة, وجزءٌ من الهوّية الوطنية لأي فرد.
من الطبيعي أن تتغلغل كلمات اللغات الأخرى وسط أحاديثنا وإلى لغتنا, فاللغة كائن حي يؤثر ويتأثر, وإحدى مميزات اللغات الحيّة – والعربية منها - مرونتها في تقبّل واستيعاب الكلمات المستحدثة القادمة من خارجها, كما في المصطلحات الطبية أو مسميات الأجهزة الإلكترونية الجديدة, لكن أن نلجأ لاستخدم مفردات من لغات أخرى نمتلك ما يوازيها من كلمات فتلك مأساة مزعجة, وتعبّر عن انهزامية لا تقل عن خسارة الحروب العسكرية والاقتصادية.
للأسف يؤمن كثيرون أن حشر كلمات أجنبية وسط حديثه, أو التحجج بجهله للمرادف العربي؛ علامة تقدم وحضارة, بينما هو في الحقيقة دليل ضعفٍ معرفي وهشاشة ثقافية, هذه الظاهرة امتدت مؤخراً إلى لوحات المتاجر والأسواق, وصارت جزءاً من قوائم أطباق المطاعم, وحتى مسميات المنتجات, والحجة أن العملاء يعتقدون أن أي منتج يحمل «نغمة» أجنبية فإنما هو منتج ذو جودة عالية, وبالطبع من نافلة القول إن الإسراف في الأسماء الأعجمية هو محاولة لتسويق المنتج على غيره من المنافسين دون الالتفات إلى جودته الحقيقية, أو محاولة للفت النظر كما فعلت في عنوان هذا المقال, رغم معارضتي الشديد لهذا الأسلوب.
اليوم الثامن عشر من ديسمبر نحتفل باليوم العالمي للغة العربية, وتقام الندوات واللقاءات العلمية في مؤسسات عديدة, وبالطبع أغلبها إن لم يكن كلها سوف تكون لقاءات أكاديمية خطابية، تعرض فيها الأبحاث البعيدة عن واقع اللغة اليومي, دون الالتفات لمبادرات شباب «التواصل الاجتماعي» لتشجيع استخدام اللغة العربية, التي دعمها قد يحقق ما فشلت فيه المبادرات الأكاديمية أو جهود الجهات الحكومية لبعث الأمل باستخدام «الفصحى» بشكل أوسع, خصوصاً وأن آخر معقل للفصحى بدأ يتهاوى؛ وهي مسلسلات الرسوم المتحركة للأطفال, التي يسودها اليوم اتجاه جديد لدبلجتها باللهجات المحكية! بعد أن بقيت تلك الرسوم – ولعقود متتالية - أحد أهم مصادر بناء مفرادت الفصحى للأجيال العربية الناشئة.
من المخجل أن لغةً يتحدث بها ما يزيد على 400 مليون نسمة تشهد تراجعاً وتقهقراً؛ والسبب هم متحدثوها الأصليون! فنحن من نبحث عن المفردة الأجنبية, ونحن من نتكاسل عن تعلّم لغتنا, ونحن من نثني على من يُعلم أبناءه لغة ثانية ونتجاهل لغتنا الأم! ونحن من نسخر ممن يحاول أن يتحدث بالفصحى! فبعد كل هذا نتعجب ممن يكتب «كرانشي بيستاشيو»!

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 11 ديسمبر، 2016

المثقف المهزوم


كل يوم تزداد دهشتي من ذلك المثقف المهزوم؛ الذي من فرط هوسه بالآخر أضحى لا يرى خيراً هنا أبداً, يرنو دوما نحو كل ما يقذفه الغرب, مهما كان غير مناسب لبيئتنا, أو حتى غير ناجح أصلاً في مصدره الذي خرج منه.
هذه الفئة من المثقفين التي تعاني من مركب متضاعف من النقص تجاه الرجل الأبيض؛ لا تزال تعتقد أنها بترفعها "البروجوازي" عن ثقافة مجتمعنا المحلي فكأنما ترتقي في سلم الحضارة, وأنها - مثلاً - باستحقارها فنون "السامري" و"الخبتي" وتقديرها ورفع قدر فنون "الجاز" و"الكانتري" فكأنما حازت قمّة التحضر والثقافة, بينما كل تلك الفنون فلكلور شعبي نابعٌ من قلب المجتمع الذي ظهر منه, ولا يمكن تفضيل أحدها على الآخر بهذا المنهج العنصري الفوقي.



المأساة هنا أن معظم هؤلاء يعاني نقصاً وضعفاً في عمقه الثقافي والعلمي, فهو وإن كان يرفع شعارات برّاقة إلا أنه أول من يخونها أمام أول عقبة أو حتى تهديد خطر عابر, ناهيك عن ضعف حجته في الدفاع عن فكرته, فيصبح مشوشاً وهشاً أمام الرأي العام, ليتحول إلى مهووس بالانتقام من بيئته وثقافته, حتى تجده بعد حين معجباً بالدين الآخر فقط نكاية بمن يعارضه, وللأسف مشكلته الرئيسة هي المعارضة الشخصية لذاته ولأسلوب عرض وتطبيق أفكاره, وليست معارضة الآخرين لأفكاره نفسها, وبالطبع هذا الهجوم لا يبرر ارتماءه في حضن المختلف فقط لأنه مختلف عن بيئتنا وليس لأنه الأفضل, كما هي قصة تحميل المناهج الدراسية وحدها جذور الإرهاب والتطرّف, مع يقين هؤلاء بوجود حالات تطرف وإرهاب متصاعدة في الغرب؛ الذي لا يعاني تطرفاً في مناهجه كما يدعي المثقف المهزوم.
لست ممن يعيشون أسرى الماضي, ولا ممن يتغنى ليل نهار بأمجاد حضاراتنا السابقة, لكنني – أيضاً - لست ممن يؤمن أننا لا يمكن أن نتقدم إلا بالقطيعة التامة مع ماضينا والانقلاب إلى نسخة مشوّهة عن الغرب, فقط ليرضى علينا ويمنحنا صك الحضارة, فالتقدم الذي يعيشه الغرب جاء نتيجة لتطور تاريخي طبيعي للمجتمع ومؤسساته, ولم يصل إلى أوج الحضارة البشرية باستنساخ تجارب أخرى كما هي.
للأسف يقدم مثل هؤلاء صورة غير مقبولة عن المثقف العربي, وكأنما أضحى مجرد مروج للحضارة الغربية بقضّها وقضيضها, وليس داعية حضارة وتقدم لمجتمعه, وهو يعلم أن التقدم الحضاري يعتمد على تطوير وتحديث المكوّن الثقافي والاجتماعي المحلي أولاً, وليس فقط مجرد استيراد الأفكار والأنظمة من مجتمع يختلف تاريخه ومكونه الحالي عنا.
كنت أحاول دوماً إيجاد تبرير لهؤلاء ومحاولة نقاشهم بالحسنى, وبالذات عبر قنوات الاتصال الاجتماعي حيث يبثون طاقتهم السلبية ورؤيتهم المنهزمة, لكنني مؤخراً تأكدت أنه مركب نقص متراكم اجتمع مع ردة فعل تجاه المجتمع, فصار الحل الأنجع: تجاهل هؤلاء والعمل على إيجابية مجتمعنا بدعم طاقاته الشابة, واستلهام التجارب الناجحة عالمياً وتطبيقها محلياً.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 4 ديسمبر، 2016

مفضوح رقمياً

قبل سنوات نشر الزميل فهد الأحمدي في عموده رسالة تلقاها من إحدى القارئات، تلك الرسالة قدمت وصفاً كاملاً لحياته الشخصية وعائلته، تفاصيل كل شيء محيط به، كم طوله؟ ومن هي زوجته؟ وما يحب وما يكره؟
العجيب أن جميع هذه المعلومات الشخصية كانت منشورة عبر مقاله اليومي خلال سنوات، وكل ما فعلته تلك الفتاة هو اقتناص معلومة واحدة من مقال وأخرى من مقال آخر، واستنتاج معلومة من جملة عابرة، مثل استطاعتها تخمين طوله اعتماداً على وصفه لالتقاط بعض الأشياء! وهكذا استطاعت تكوين صورة شاملة عنه دون أن تترك غرفتها! اليوم أضحى بإمكان أي مهتم معرفة كل ما يرغب عنك عبر حساباتك وتفاعلاتك في التواصل الاجتماعي دون أن يحتاج لاختراق بريدك الإلكتروني أو حاسبك الآلي.



كل ما يتطلبه الأمر اليوم مجرد الاطلاع على حساباتك الاجتماعية المختلفة، ثم جمع المعلومات وتحليلها ومحاولة الربط بينها، فمثلاً في "تويتر" تستطيع تحديد الاتجاه الفكري عبر مطالعة قائمة من تتابع، وإن كنت تغرد يمكن تحليل قائمة متابعيك، فالغالب الأعم يتابع من يوافق هواه ومن يؤكد تفضيلاته وتفسيراته، ناهيك عن تحليل خطاب التغريدات وإعادة التغريد والإعجاب، فضلاً عن تفاصيل تعليمك ومسيرتك المهنية في "لينكدإن"، ولا تنس المعلومات الشخصية الهائلة المتوفرة عبر "ملف التعريف" في "الفيسبوك"، إذ يمكنك تتبع حياة من ترغب عبر مساره الزمني، فهناك أصدقاؤه المقربون، وهناك تفاصيل حياته، أين سافر؟ وأين عاش؟ ومن هي زوجته؟ ولا تنس ما يبث عبر "سنابشات" وغيره.
قبل سنوات ظهرت في الولايات المتحدة وكالات خاصة للتجسس الرقمي، هدفها توفير معلومات لم يرغب عمّن يرغب، والعملية لم تكن تأخذ سوى وقت قصير، مجرد دراسة وتحليل لحسابات التواصل الاجتماعي للمعلومات والأحداث التي يضعها الشخص عن طيب خاطر، وتستطيع معرفة ما يحب أن يشرب ويأكل؟ أي فريق رياضي يشجع؟ أي حزب سياسي ينتمي؟ المضحك في الأمر أن بعض الشباب استغل تلك الخدمات للتعرف أكثر على الفتاة التي يحبها، حينئذ يستطيع أن يوقعها في شركه بعمق ما يعرف من تفضيلاتها واهتماماتها، بل حتى مصادفتها في الأماكن التي تحب أن تذهب لها عبر معلومات حسابها في الشبكة الاجتماعية: "فورسكوير" مثلاً. ولك أن تتصور أن بعض شركات التأمين هناك قد تفرض رسوم تأمين أعلى لمنازل من ينشطون في وسائط الاتصال الاجتماعي؛ لأنهم أكثر عرضة للسرقة، فهم يقدمون خدمة رائعة للصوص عبر الإفصاح اللحظي عن أماكن تواجدهم خارج المنزل، بل حتى صور سفرهم خارج البلاد.

قد تعتقد أنني أبالغ في أننا نفضح أنفسنا رقمياً دون أن نعي، ونتبرع لتعرية أنفسنا بأنفسنا، فلم لا تحاول أن تختار شخصاً لا تعرفه عن قرب لكنك تتابعه في إحدى الشبكات الاجتماعية، ثم تبدأ بجمع معلوماته من كافة حساباته الاجتماعية الأخرى، وأؤكد لك أنك وخلال ساعات معدودة سوف تدهش من كم المعلومات الضخمة التي حصلت عليها عنه، فهل تعتقد أنك استثناء من هذه الظاهرة؟ أم أنك سوف تهرع لحذف شيء من معلوماتك الآن؟

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 27 نوفمبر، 2016

حيث ينفع «الندم»

بالتأكيد سمعت عن الروائي الأميركي الشهير "مارك توين", الذي كتب في كل شيء تقريباً من الخيال التاريخي إلى التعليق الاجتماعي, ومن الأدب الفلسفي إلى النقد الأدبي, غير أن رأس المال الأساسي لموهبة ـ "صمويل كليمنس" - وهو الاسم الحقيقي لتوين - كان غنى تجاربه الحياتية وممارسته للغريب من المهن والأعمال, فمن صبي مطبعة إلى كاتبٍ ساخر, ومن قبطان سفينة بخارية إلى دارسٍ لما وراء الطبيعات, ومن رحالة إلى مخترع.



لكن ورغم كثرة الأقوال المنسوبة له, إلا أن حديثه عن الندم يكاد يكون الأكثر تداولاً, إذ يقول: "بعد عشرين سنة من الآن؛ ستندم على الأشياء التي لم تفعلها لا على الأشياء التي فعلتها"! وهنا مربط فرس التقدم إلى الأمام, فنحن جميعاً نتعرض يومياً للكثير من الاحتمالات ونحتاج إلى اتخاذ القرارات سواء كانت اللحظية أو تلك التي تؤثر على مسيرة حياتنا, بيد أننا غالباً ما نركن للتحفظ والبقاء ساكنين, رغم أن جرأة تجربة الاحتمالات, سوف تقودنا إلى الخيار الأكثر ملائماً لنا.
توجسنا من اتخاذ قرار ما يعود إلى الخوف مما قد يواجهك من شعور بالندم على القرار, أو الحسرة أن يكون حالك اليوم أفضل لو تجاوزت الموقف بلا قرار! وهذا بالطبع غير صحيح, فقرارك السابق يُفترض أنه بني على معلومات وشواهد وخبرات, وكان القرار الأفضل في حينه, ولو عاد بك الزمن وفي نفس الظروف سوف تتخذ نفس القرار, المأساة هنا أن تبقى مُضيعاً وقتك وفكرك في حدثٍ من الماضي انتهى ولن يعود!
حينما تتشجع لخوض غمار تجربة جديدة؛ فأنت تفتح باباً أوسع لخبرات حياتك وتضيف فصلاً لما تفخر به, فمثلاً ها هو صاحبنا "مارك توين" يتخذ قراره الالتحاق بأخيه في "نيفادا" ليضطر الارتحال عبر منطقة السهول العظمى وجبال الروكي, وفيها يقابل ويتعامل مع مجتمعات "المورمون", ثم ليستلهم منهم كتابه "الحياة الخشنة", ناهيك عن رحلته عبر نهر "المسيسبي", حينما أوحى له قبطان السفينة البخارية بالعمل قبطاناً مثله, مما جعله يستغرق سنتين من عمره حتى يمسي قبطاناً, وليخرج من تجربته هذه بروايته الشهيرة "مغامرات توم سوير".




هذا من جانب ما قدر يقودك اتخاذ قرار ما إليه وليس البقاء بلا قرار, أما الأجمل هنا فهو أن أبحاث علم النفس تؤكد يوماً بعد يوماً أننا كأفراد نُقدر ونفخر بتجاربنا – حتى لو كانت مريرة أو غير ناجحة - أكثر بكثير مما نملك من مال أو نفوذ. وأي قراءة سريعة لسير الناجحين لتجد أنهم وفي لحظة فارقة قد اتخذوا قرارا كان ليبدو أنه قرار غير حكيم, لكنهم لو لم يتخذوه لبقوا طوال عمرهم يعضون أصابع الندم.
بالطبع التفكير المسبق بالقيام بالأشياء وعواقبها مهم, لكن لا يجب أن تبقى هكذا دون أن تقوم بشيء فقط لتحمي نفسك من ألم "الندم", فلا أسوأ من أن تبقى متحسراً على ما لم تفعل, بدلاً من أن تندم على ما فعلت.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 20 نوفمبر، 2016

البقاء متفرجاً

يستمع للكثير من المحاضرات التحفيزية, يشارك في معظم وسوم الاتصال الاجتماعي, لا يترك شاردة ولا واردة إلا أدلى بدلوه فيها, بل ويقدم النصائح الاجتماعية والتوجيهات الإدارية, ناهيك عن الاستشارات التجارية للمستثمرين الشباب؛ ولكن!
ولكن هنا بيت القصيد, رغم كل هذا الاهتمام لا يزال في النهاية واقفاً في مكانه, متفرجاً على الجميع, سواءً من يتقدم إلى الأمام أو حتى من يتراجع إلى الخلف, رغم أنه بوقوفه في مكانه فكأنما يتققهر إلى الوراء, لأن الآخرين إلى الأمام يتوجهون, تلكم هي مشكلة الكثيرين ممن يعرفون درب النجاح, ويدركون وصفة الإنجاز, لكنهم لا يفعلون شيئاً, فقط يتجمدون في دائرة اهتمامهم, ولا تعرف أهو بسبب الكسل؟ أم الخوف من التغيير؟ أو عدم رغبة الخروج من منطقة راحته.
أن تبقى متفرجاً بلا أي حركة نحو التغيير فذلك حكمٌ ظالم على إمكاناتك ومواهبك كإنسان, وأن تحرم نفسك لذة النجاح ومتعة الصعود, والمصيبة هنا أنك أول من يؤمن أن النجاح يحتاج شجاعة الإقدام والقفز نحو الأمام, وليس البقاء متفرجاً على ما يفعله الآخرون, كما فعل الملياردير اليوناني الأصل: "أرتيسول أوناسيس" وهو أحد أغنى أغنياء العالم, حينما انطلق في عالم التجارة فقط لأنه لم يرغب أن يبقى مستمعاً لمكالمات رجال الأعمال حينما كان يعمل في شركة الهاتف البريطانية في "بوينس آيرس" الأرجنتين, اكتسب المعلومات العلنية والخفية وانطلق يلاحق حلمه نحو المليارات. أو الشاب الأميركي "جاك دورسي", الذي ظل يلاحق حلمه بفكرة مشاركة الرسائل القصيرة مع الأصدقاء, ولم يبق متفرجاً يتغزل بفكرته الجامحة, حتى استطاع بعد سنوات من تجاوز رهاب فشل التجارب المتتالية, ولم يجعلها حجر عثرة أمام خوضه تجارب أن يطلق "تويتر", ويحقق فيه النجاح الأعظم.
بالتأكيد إن لكل منا حلماً أو فكرة يتمنى رؤيتها على أرض الواقع, فكيف يمكن أن تحققها وأنت تقف متفرجاً تشاهد الآخرين يتجاوزونك, عزيزي.. لن تحقق أمنيتك دون أن تتحرك ودون أن تتغلب على حذرك من التغيير والانتقال نحو دائرة التعلّم, فكن كما قال "أبو القاسم الشابي": "إذَا مَا رمحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ = رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر", فالتشجع نحو الإقدام يساعدك على تجاوز الصعاب مهما كانت صعبة, وقد يقودك إلى شيء لم تكن تفكر بها, فيمسي تعثّرك في مرحلة ما هو مدخلك لما قد يغير مستقبل حياتك, ودعني أصدقك القول إن استمررت بالخوف من الحركة نحو الأمام؛ سوف يكون هذا "الخوف" هو الحائط الذي تتكسر عليه آمالك وآحلامك, ولا أسوأ وأكثر يأساً –يا صديقي- من أن تعيش بقية عمرك متفرجاً ومعلقاً على آمال وأحلام الآخرين فقط.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

أعقد مكان في السعودية!


بادرني بسؤالٍ غير متوقع:  هل تعرف ما هو أعقد مكان في السعودية ؟ قلت له: المستشفيات التخصصية!  مجلس الشورى! رد عليّ مبتسماً, بل هي المطارات يا صاحبي!

نعم هي المطارات, فأنت  لا يمكن أن تحصي عدد الجهات الحكومية والخاصة العاملة في المطار الواحد, ناهيك عن تداخل وضبابية الاختصاصات, واختلاف المرجعيات والصلاحيات. ولك أن تتعجب أن صاحبي سبق أن واجهته ست مشاكل في مطار واحد, ليكتشف أن كل مشكلة كانت من اختصاص جهة ما!



فمثلاً أول من تواجه في المطار  هو موظف إصدار بطاقة صعود الطائرة, والتي لا يعلم  الكثيرون أن من يقوم بها ليس موظف خطوط الطيران نفسها؛ بل موظف شركة الخدمات الأرضية، وأما موظفوا الخطوط فهم من يعمل في مكتب بيع تذاكر الخطوط نفسها أو داخل الطائرة! لذا وعندما يُفرّق بينك وبين زوجتك في المقاعد لا بد أن تعيد النظر قبل أن تنتقد خطوط الطيران!

تصل لمنطقة التفتيش الأمني والتي غالباً ما تجدها تعمل أقل من طاقتها الاستيعابية, وبالطبع سُبات بعض المسارات ليس لإدارة المطار أي ناقة أو جمل فيها؛ لأن هذه المنطقة تحت مسؤولية الجهات الأمنية,  بعد تجاوز التفتيش تتحول مسؤولية الإشراف الأمني إلى ما يطلق عليه بالمنطقة المعقمة, وهي تحت مسوؤلية القوات الجوية التابعة لوزارة الدفاع, والتي كانت مسؤولة سابقاً عن أمن المطار كاملاً, لكنها اليوم مسؤولة فقط عن هذه المنطقة, ولك أن تتصور أن مدير المطار نفسه يصدر بطاقته من خلال قائد قوات الجوية بالمطار!

والآن دعنا ننتقل إلى مرحلة القدوم, فالبعض يتذمر من تأخر وصول حقائبه رغم أن المعدل العالمي لاستلام الحقائب هو 24 دقيقة، وسبب التذمر هو سرعة وصول المسافر إلى "سير" الحقائب قبل وصول حقائبه, ففي مطار الملك خالد مثلاً  يستغرق الخروج من بوابة الطائرة حتى تجاوز الجوازات سبع دقائق فقط! ومن المعروف أن الحقائب تخضع لتفتيش أمني قبل أن توضع على "السير" وهو ما تقوم به الجهات الأمنية. ثم بعد الاستلام تبدأ مرحلة أفصاح الجمارك, وهي جهة أخرى مستقلة تماماً عن إدارة المطار.  وما أن تخرج من الباب حتى تواجهك جحافل "الكداده", والذين لا يمكن لادارة المطار فعل شيء نحو منعهم, لأنها ليست جهة ضبط كالشرطة او المرور ،

بالطبع تصغر هذه المشكلة أمام ضبابية التفريق بين الخطوط الوطنية والمطارات، ذلك أن شركة الخطوط مسؤولة عن الطائرات والنقل الجوي فقط، بينما المطارات تابعة لهيئة الطيران المدني, التي تشرف على المطارات وعلى منظومة الملاحة الجوية بالمملكة.

كان الله في عون من تولى إدارة أي مطار, فبين جدران هذه المنشأة الكثير من الجهات التي لا سلطة له عليها من جمارك وجوازات ومباحث واستخبارات وشرطة ومرور, وما تعرف وما لا تعرف!

عبدالرحمن سلطان السلطان






الخميس، 17 نوفمبر، 2016

سينما غير أمريكية!




هل فكرت يوماً بمشاهدة الفيلم الإيطالي «الجمال الكبير»؟ الاحتمال الأكبر أنك لم تفكر بذلك لأسباب عديدة، أهمها أنه فيلم باللغة الإيطالية وليس بالإنجليزية كما هو حال معظم الأفلام التي نشاهدها، ثانيها أننا تعودنا نمط الأفلام الهوليودية ذات الإنتاج الضخم والمبهر، وليس تلك الأفلام البسيطة المعتمدة على قصة خلاقة وفكرة لافتة.

لكن دعني أخبرك أننا نحرم أنفسنا - دون نعلم - متعةً لا تصدق، فالتجارب السينمائية في الأمم الأخرى لديها الكثير مما يجب أن نشاهده، ولديها الرائع مما قد يؤثر في عقولنا ويحرك مشاعرنا، ذلك أنها تعرض قضايا ومحاور مختلفة، بعضها - ويالعجب - قد يكون قريباً مما نعيشه نحن على عكس ما تقدمه السينما الأمريكية، والأجمل أنها ترسم بصورة معالجة مختلفة عما اعتدنا مشاهدته في السينما الأمريكية، فلمَ لا تحاول يوماً ما أن تختار لسهرتك فيلماً سينمائياً غير أمريكي؟ بالطبع لا أضمن لك أن تعجب بما تشاهد، لكنني أؤكد لك أنه سوف تشاهد شيئاً مختلفاً. لذا فإن تشجعت يوماً لتلك المحاولة؛ فدعني أقترح عليك بضعة أفلام من «المتوقع» أن يعجبك أحدها:

الفيلم الأيطالي «الجمال الكبير» (2013)، الذي يدور حول الكاتب العجوز «جيب جامبرديلا»، الذي يعيش حياة رغدة وليالٍ صاخبة في «روما»، متاحاً له الاستمتاع بالطبيعة الخلابة والعلاقات الاجتماعية المخمليّة، لكنه مع ذلك لا يشعر بالسعادة، ويحن إلى أيام صباه، فنعيش نحن وإياه تنقلات بين عتيق «روما» وحاضرها اليوم.



ومنه إلى الفيلم الإسباني «متاهة بان» (2006) عن تلك الفتاة الصغيرة التي ترحل صحبة والدتها الحامل لتعيش مع زوجها الجديد «القائد العسكري» خلال فترة القمع العسكري للجنرال «فرانكو»، ثم إلى أمريكا الجنوبية، حيث الفيلم الأرجنتيني «السر في أعيونهم» الحائزة على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2009م، لنعود مع المحقق القضائي المتقاعد «بنجامين اسبوزيتو»، ليكتب عن جريمة اغتصاب وقتل فتاة لم تحصل قبل ثلاثين عاماً.





أما في السينما التركية فعليك بفيلم «بيات شتوي» للمخرج التركي «نوري بيرغ سيلان»، وهو الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان عام 2013م، حيث الممثل السابق «أيدين» الذي يدير فندقاً صغيراً مع زوجته، في الوقت الذي لا تزال شقيقته تعاني آثار طلاقها، ومع حلول الشتاء يتحول الفندق إلى ملجأ لا يمكن الهروب منه.




أما في السينما الفرنسية، فعليك بالفيلم الدرامي الفكاهي «المنبوذون» «2011م» عن القصة الحقيقية للثري المشلول «فيلب»، الذي يستأجر «إدريس» الفقير لرعايته والعناية به، لتتطور الأحداث ويقوم كل منهما بتغيير حياة الآخر.




وبعد فالقائمة تطول وتمتد، ذلك أن كل بلد ذي صناعة سينمائية يفخر بالكثير مما يجب على عاشقي الفن السابع أن يشاهدوه ويستمتعوا به، بيد أن الخطوة الأولى تبدأ بالخروج من قفص «هوليود» نحو سماء الإبداع الإنسانية، حينها سوف تكتشف عالماً واسعاً من الخيارات الممتعة.
عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 13 نوفمبر، 2016

رئيس «أمازون» ثم منتدى «مسك»

قبل أيام قليلة زار المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أمازون "جيف بيزوس" المملكة, وقابل سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ومجموعة من المسؤولين كوزير التجارة والاستثمار ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية, هذه الزيارة اللافتة لأحد أهم قادة التجارة الإلكترونية جاءت متوافقة مع الحدث الضخم الذي تحتضنه العاصمة الرياض بعد يومين, وهو منتدى "مسك" العالمي, الذي يجمع لأول مرة جوقة منتقاة من أبرز عقول العالم هنا, أمام شبابنا وفتياتنا المتعطشين للمعرفة والخبرة.



لكن دعونا نَعُدْ إلى الوراء قليلاً, إلى شهر يونيو الماضي حينما كان "وادي السيليكون" على رأس جدول أعمال زيارة سمو ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية, جولات واتفاقات مكوكية, من "فيسبوك" إلى "أوبر" و "أكاديمية خان", ومن عملاق التقنية "مايكروسوفت" إلى العملاق الآخر "سيسكو", ولا تنس الفخر بالشباب السعوديين العاملين في كبريات شركة التقنية في "وادي السيليكون", كل هذا الزخم يؤكد الرسالة الواضحة أن أحد أهم مسارات رؤيتنا الوطنية تمر عبر فرص تقنية المعلومات, وتطويعها لتكون مصدر تنمية مستدامة وتنافسية متصاعدة.
والآن لننتقل الى ما يحدث في الرياض بعد ثمان ورابعين ساعة فقط. حيث نجد نخبة رواد الأعمال الشباب وقادة المبادرات المبتكرة من 65 بلداً حول العالم يقدمون خلاصة تجربتهم هنا, أمام نحو 1500 شاب وشابة نصفهم من شبابنا ونصفهم الآخر من كافة أنحاء العالم, أو ليست تلك دعوة نحو انطلاق شبابنا لاغتنام فرص التعلّم وتشارك المعرفة والتجربة للفوز بالنجاح؟ دون الحاجة لإعادة اختراع العجلة من جديد, فهناك –مثلاً- "سام ألتمان" أحد ممولي موقع "Airbnb" أشهر موقع لحجز وتشارك الغرف المنزلية, أو الأندونيسية "دياجينغ ليستاري" مؤسسة موقع "hiijap" الناشط في بيع الملابس النسائية الإسلامية, والذي حصل على تمويل من صناديق الاستثمار في وادي "السيليكون", أو الطاهي "بدي فالاسترو" نجم برامج الطهي ومستثمر الفنادق الذكي, وغيرهم من رؤساء البنوك وصناديق الاستثمار وقادة المبادرات الشبابية عبر العالم.
لا غور أن الكرة اليوم وسط ملعبنا نحن الشباب, فإما أن نلتقطها ونتقدف بها نحو الأمام, وإما أن نقف في المدرج نتفرج على الآخرين من حولنا يجربون ويبدعون وينطلقون إلى الأمام, ونبقى نحن مجرد رجع صدى لما ينجزون, من الضروري أن نؤمن أن كل هذه التحركات الرسمية عبر "مجلس الاقتصاد والتنمية" وغير الرسمية عبر مؤسسة "مسك" الخيرية وغيرها تؤكد رسالة واحدة: أنه عصر الشباب المتعطش للمعرفة والقادر على تحولها إلى استثمار مجزٍ وقوة ناعمة لبلادنا.
نحن الشباب أمام فرصة تاريخية فإما أن نتشجع ونمسك زمام المبادرة, ونشارك في تنويع مصادر الدخل, ونستفيد من شبابية مجتمعنا والمجتمعات المحيطة بنا, أو نستكين للراحة والدعة, ونبقى أسرى أحلام اليقظة والأماني.. الخيار بيدك.. أنت وحدك.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 6 نوفمبر، 2016

قرارات جماعية حمقاء.. مفارقة «أبيلين»

ذات أمسية حارة في مدينة "كوليمان" بتكساس، كان أفراد العائلة يلعبون الدومينو في شرفة المنزل، وفي لحظة ما اقترح الحمو أن يتناولوا عشاءهم في مدينة "أبيلين" "85 كلم شمالاً"، قالت الابنة "تبدو فكرة عظيمة".. زوجها ورغم أنه كان يفكر بجميع تحفظات الحاضرين، كالجو الحار والمسافة الطويلة.. لكنه يرغب أن يكون متناغماً مع المجموعة، فيقول لزوجته: "تبدو مناسبة لي.. أتمنى أن يكون لدى والدتك الرغبة بالذهاب" ترد والدة الزوجة: "طبعاً أرغب الذهاب.. لم أذهب إلى أبيلين منذ فترة طويلة".



الرحلة لم تكن رائعة.. فالطريق طويلة والجو حار، والطعام كان سيئاً كما الرحلة، أحدهم قال: "كانت رحلة رائعة، أليس كذلك؟" ترد والدة الزوجة أنها كانت تفضل البقاء في المنزل، لكنها ذهبت لأن البقية كانوا متحمسين للرحلة، غير أن زوج البنت يفصح: "أنا لم أكن سعيداً بالخروج، فعلت ذلك فقط لإرضائكم"، هنا قالت زوجته: "أنا خرجت لتكون سعيداً، يجب أن أكون مجنونة لأفضل الخروج في هذا الجو الحار" الحمو يقول إنه اقترح الرحلة فقط لأنه شعر أن الجميع أصابه الملل. وبعد موجة من الاتهامات المتبادلة بقوا جميعًا في صمت وحيرة لأنهم أدركوا أنهم قرروا "معاً" الذهاب في رحلة لم يرغب بها أحد منهم.
ما سبق من قصة تتكرر كثيراً وبأساليب متنوعة هي "مفارقة أبيلين"، والتي ابتدعها عالم الاجتماع "جيري هارفي" معتمداً على مفهوم وتطبيقات "التفكير الجماعي". تلك المفارقة تحدث حينما تتخذ مجموعة من الأفراد بطريقة جماعية قرارات معاكسة لرغبات أكثر أو جميع أفراد هذه المجموعة! ذلك أن المجموعات الصغيرة تميل إلى احترام قادتها ووحدتها، وبالتالي تتخذ قرارات مشوّهة ومعطوبة، يعود سبب ذلك إلى رغبة تلك المجموعات الاحتفاظ بتماسكها وإجماعها، لذا يغض أعضاء المجموعة الطرف عن مشاكلهم ورغباتهم الشخصية خلال عملية اتخاذ القرارات، بهدف حفظ التماسك والإجماع، وكذلك خوفاً من "اضطراب قلق الانفصال" عن مواكبة قرار الجماعة، وبالطبع تحاول المجموعة إقناع نفسها أن قراراتهم الجماعية معاً رائعة وأن تحقيقها النجاح أمر طبيعي، غير أن النتيجة بالطبع غير مناسبة للجميع.





إشكالية غياب التنوع داخل المجموعة، وعدم تشجيع الآراء المختلفة؛ تؤدي إلى كبح جماح الاختلاف وموت الإبداع، لذا يبدأ الأفراد الميل نحو التوفيق بين آرائهم الخاصة والاتجاه العام للمجموعة، وغالباً ما تكون النهاية تحوّل رأي الأقلية إلى عزلة صامتة عن المجموعة، وهو ما يحدث غالباً في اللجان والمجموعة الكبيرة والعسكرية.

تكاد تكون المشكلة الأساسية في الاجتماعات دوماً ليست الصراع حول القرارات وإنما عدم القدرة على التعامل مع الاتفاق، ذلك أن معظم نتائج إجماع القرارات يكون إجماعًا زائفًا يضر المجوعة نفسها؛ لذا يقترح دوماً التعامل بأسلوب هجومي مع هذا الإجماع الصوري، عبر سؤال أفراد المجموعة مباشرة: هل نحن ذاهبون إلى "أبيلين"؟! حتى يتشجع الآخرون للإفصاح عن مخاوفهم وأفكارهم المختلفة، وحتى لا نذهب جميعاً إلى "أبيلين"، ونحن "جميعاً" لا نرغب ذلك.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 30 أكتوبر، 2016

فنكوش «السناب شات»

منتصف الثمانينات أبدع الزعيم "عادل إمام" و الفنانة "ميرفت أمين" الفيلم السينمائي: "وحدة بوحدة"، والذي كان يتمحور حول قصة الشاب "صلاح" رجل العلاقات العامة اللعوب، الذي يتورط في الإعلان عن سلعة ليس لها وجود حقيقي تحمل اسم "الفنكوش"، لتتوالى بعد ذلك المواقف الكوميدية بحثاً عن هذه السلعة الأسطورية غير الموجودة أصلاً!



العجيب اليوم أننا نعيش عصر "الفنكوش" من جديد، ولكن بصيغة رقميّة هذه المرة، وبالذات عبر المنصة الاجتماعية "سناب شات"، الذي يعيش أزهى عصور انتشاره في المملكة، فجولة سريعة على حسابات "السناب شات" الأكثر متابعة، لتفاجأ بالعجيب والغريب مما يعرض عبر كاميرا التطبيق، ولتجد أن أكثرها يبيع "الفنكوش" وحسب! وبالذات حسابات ما يطلق عليهن بالفاشنستات، وهن تلك الفتيات اللاتي وجدن أنفسهن تحت منظار متابعة مئات الآلاف من البنات وغيرهن، فصارت تحاول ملء يومها بأي شيء كان. وبأي كلام مهما كان فارغاً وبلا أي معنى ولا هدف.
تلكم الحسابات التي تتربع على عرش المتابعة لا تكاد تقدم شيئاً مفيداً، فأغلب يومها دردشات وأحاديث سطحيّة، إلى زيارات دعائية لمتاجر المجوهرات والمكياج، مع تعريجٍ على محال الحلوى والهدايا، والكثير من القيل والقال، ولا تنس نفحات متتالية من "الهياط" الفارغ، ونحن نتقبل محتوى "الفنكوش" هذا عن طيب خاطر، بل يهيم البعض بالمتابعة ليل نهار لمحتوى غير موجود أصلاً، وتسجيله ثم إعادة إرساله للأصدقاء عبر قنوات الاتصال الاجتماعي الأخرى، ليزيد من متابعة هؤلاء وترتفع أسهمهن أمام شركات التسويق، وكأنما نحن أصبحنا وسيلة تسويق إضافية لهؤلاء!
المأساة هنا أن الحسابات الجادة وشبة الجادة التي تجتهد في تقديم محتوى نافع ومفيد لا تكاد تتجاوز عشرات الآلاف من المتابعين في أحسن الأحوال، ناهيك عن ضعف تفاعل الجمهور المتابع لهم، مما يصيب القائم على الحساب بخيبة الأمل ليتوقف بعد حين، والأسوأ من ذلك أن هذا الانكفاء وتوقف من يقدم المفيد يساهم بزيادة نفوذ وانتشار حسابات "الفنكوش"، وتصبح متابعة الفارغين والفارغات هي الخيارات الوحيدة المتاحة أمام جمهور المتابعين، وبالذات من الشباب.

لست أدعو هنا للتوقف عن متابعة حسابات "الفناكيش" الفارغة، خصوصاً وأنها تساعد على قتل الوقت بسرعة وكونها دليلاً مجانياً لمتابعة ما يطرح في الأسواق من منتجات جديدة، ولكن لمَ لا تجعل لما ينفعك ويضيف لثقافتك ومهاراتك نصيبا من متابعتك، فهي مجرد دقائق عابرة سريعة قد تكسبك معلومة هنا أو مهارة هناك يكون لها الفضل في تحسين أسلوب حياتك أو حل مشكلة تؤرق يومك، أو قد تفتح الطريق أمام تغيّر جوهري في مستقبلك، أما أن تحصر نفسك يومياً بحسابات "الفناكيش" فتأكد أنك لن تحصل على شيء في النهاية، فهو "فنوكش"، وهو "ما لوش وجود" على حد تعبير عادل إمام.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 23 أكتوبر، 2016

52 كتاباَ

منتصف شهر أكتوبر العام الماضي (2015) أُصبت بصدمة رقميّة مفاجئة، إذ ان نتائج تطبيق إلكتروني يقيس مدة اتصالي اليومي عبر منصات الاتصال الاجتماعي (الواتساب، تويتر، انستغرام، سنابشات، وغيرها) أظهر أنني مدمن عليها كما الغالب الأعم من المجتمع، ذهلت من الرقم فقد تجاوز الست ساعات يومياً! أي أن ربع يومي كان يضيع في ما لا ينفع تقريباً.
في تلك الأثناء كنت أعاني من هجران الكتاب، فمشاغل الحياة والالتزامات الاجتماعية، وزد عليها سطوة الاتصال الاجتماعي جعلتني كما الآخرين لا أستطيع اقتناص دقائق يومية خاطفة للكتاب، أُسقط في يدي فالوقت يمضي بلا فائدة، والأسوأ من ذلك أنني أبتعد كل يوم عن صديقي الأثير "الكتاب"، لذا قررت -وفي لحظة صفاء- أن تقليصي لمتابعة وتواجدي في الاتصال الاجتماعي لابد أن يصب في مصلحة الكتاب، وهذا ما حصل؛ فلقد قررت أن أقرأ كتاباً واحداً كل أسبوع، وبالطبع هي مهمة شاقة، لكنني ولكي أُلزم نفسي بالقراءة قررت أن أشرك متابعي في "السناب شات" هذا التحدي، فكانت الفكرة بكل بساطة أن أعلن يوم الأحد كتابي للأسبوع، ثم أقرؤه خلال الأيام التالية مع عرض بِضع تلميحات عن الكتاب عبر سنابات قصيرة، على أن أقدم عرضاً مختصراً ولكن شاملاً عن الكتاب آخر يوم في الأسبوع أي يوم السبت، وهكذا دواليك.





خلال أسابيع استطعت الالتزام بهذا التحدي، والسبب حماسة المتابعين قبل حماستي، فهم من كان يشجع، وهم من كان يسأل ويستفسر عن تفاصيل الكتب، بل وصل الأمر لاقتراح كتبٍ جديدة للقراءة، وخلال أسابيع دشنت قناة على "اليوتيوب" بعنوان "كل أسبوع كتاب" لحفظ سنابات عرض الكتب، وإتاحة فرصة العودة لها لمن رغب، بالإضافة إلى حساب في "تويتر" يحمل نفس الاسم استطاع لفت نظر بضعة آلاف من المتابعين المهتمين بالكتاب ومصادر المعرفة.
في الحقيقة لم أتصور أن أستطيع قراءة 52 كتاباً متنوّعاً خلال عام واحد، فأقصى استطاعتي كان قراءة كتاب هنا ثم الفشل في استكمال كتاب هناك، لكنني اليوم فخور بما حققت، والأجمل من ذلك هو نشوة تحقيق النصر على غول "الاتصال الاجتماعي"، الذي أضحى أكثر ما يسرق أعمارنا دون أن نشعر، فنحن نستهلك الوقت والجهد والذهن في كثير مما لا طائل منه، وبالذات متابعة والاهتمام بما ليس لنا به علاقة لا من قريب ولا من بعيد.



أعرف أن تجربتي شاقة وطويلة لكنها ليست بالمستحيلة، كما أنها دليلٌ واقعي على قدرتنا تحويل خطر "الاتصال الاجتماعي" إلى فرصة نحقق منها الكثير، فتوسع الثقافة وبناء قاعدة معرفية شاملة ليست بالأمر الهين وخصوصاً في وقتنا الحالي مع تعاظم الملهيات، لكنها اليوم أضحت أكثر سهولة لمن يؤمن جاداً أن بإمكانه الاستفادة من توفر الكتاب الإلكتروني ودعم أصحابه الافتراضيين في الفضاء الرقمي.. وأنت يا صديقي لمَ لا تقلب الطاولة على منصات الاتصال الاجتماعي وتجعلها عوناً ومقياس أداء لما تفعله مهما كان؟ بدلاً من اقتصارها على أن تكون نافذة لك لما يفعله الآخرون فقط.

عبدالرحمن سلطان السلطان




الأحد، 16 أكتوبر، 2016

مغني نوبل

في العشرين من عمره وصل الشاب «روبرت زيمرمان» إلى نيويورك، هارباً من مسقط رأسه وجامعته التي لم يكملها حيث لا يوجد تقديرٌ للفن والموهبة، وصل قِبلة الحانات والمقاهي والفن ولم يكن يحمل سوى قيثارته وحقيبة صغيرة وآمالاً عظيمة.



هناك اندمج سريعاً مع مجتمع الموسيقى والحفلات، وبالذات موسيقى «الفولك» التي كان مهتماً بها مؤخراً، بعد أن كان مستمعاً لصيقاً لموسيقى «البلوز» و»الريف» ثم «الروك أند رول»، لكنه انفتح أيضاً على أنواع أخرى من الموسيقى كالجاز، وهناك في أحد أندية الجاز تعرف على الشاعر الأميركي الثائر «إروين آلن غينسبرغ» الذي شجعه على كتابة شعر ثوري احتجاجي، يعبّر عن روح شباب المرحلة عبر موسيقى «الفولك» التي يتقنها.
خلال عام واحد فقط، ومن حفلة إلى آخرى بزغ نجم هذا الشاب النحيل، وأضحى حديث «التفاحة الكبيرة» ومطلب الشباب، ليغير اسمه اليهودي إلى «بوب ديلان» ثم يصدر ألبومه الأول، الذي حقق انتشاراً كاسحاً، فالصوت الرخيم ذو النبرة الحزينة والكلمات الثائرة كان أفضل وصفة للتعبير عن انكسارات وآمال الشاب الأميركي. ليستمر في النجاح ويفعلها في العام الذي يليه حينما كتب وغنى باستخدام آلتين موسيقيتين فقط رائعته: «في مهب الريح»، التي عبرت بصدق عن هواجس وخوالج الشاب المقدم على الحياة، الباحث عن فرصة ليثبت نفسه، وعن الحق الفطري لأي إنسان في الحرية والمساوة، من خلال مطلعها الذي يسأل: «كم من الدروب يبنغي أن يقطعها الرجل ليستحق رجولته؟» وهي القصيدة التي امتدحها النقاد لبساطتها وشاعريتها ولتأثرها بنصوص دينية دون أن تشعر بذلك، والأهم لغموض نهايتها الممتنعة حين يقول مكرراً في إجابة مفتوحة: «الجواب يا صديقي في مهب الريح»، والتي أضحت -كذلك- شعاراً لمناهضي الحروب وشباب حركات الحقوق المدنية، كما فعلت لاحقاً قصيدته التي غناها: «سادة الحروب».





لكن موهبة «ديلان» لم تتوقف، بل اتسع مداها إلى هموم الإنسانية المعاصرة بعد أن تجاوز دائرة القصائد التي تتناول قضايا أشخاص محددين، وأمسى أكثر شجاعةً لتجربة أنماط بلاغية مختلفة، ساعدته على اختصار أفكاره وتكثيفها وتقديمها في صور مختلفة، ناهيك عن تحوله السريع منتصف السبعينات إلى عزف القيثارة الكهربائية، لينتقل من موسيقى «الفولك» إلى «الروك» مرافقاً لتحول اهتمامات الشباب الأميركي، ومُعبراً عما يختلج في صدروهم.
نجاحه المتواصل لم يكن ليستمر لولا اهتمامه الكبير بكلمات أغانيه، التي تجاوزت لوعة الحب إلى «مواضيع مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة والحب» على حد تعبير لجنة جائزة نوبل قبل أيام، وبالطبع هذا الإبداع المتواصل تجاوز كتابة وغناء الشعر إلى نشر بضعة إصدارات تجريبية ومجموعة كتب ورسومات وكتاب سيرة ذاتية، والحقيقة أن «ديلان» يمثل صورة الفنان الشامل، فهو بالإضافة إلى تركيزه على الشعر والغناء هو –أيضاً- رسام وممثل وكاتب سيناريو، وكذلك نهر من الفن لا يتوقف، ذلك أنه أصدر ألبومه الغنائي السابع والثلاثين منتصف هذا العام وهو يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين!





الشيء الرائع في مسيرة «ديلان» أن فوزه كأول كاتب أغانٍ بجائزة الأدب الأولى «نوبل»، جاء ليؤكد أن مجالات الإبداع الأدبي لا يمكن حصرها فقط في الشعر والقصة والرواية، وأن مختلف الأصناف الأدبية يجب أن يكون لها من التقدير والاهتمام ما للأصناف الكلاسكية، وها هي اليوم تسجل أول «نوبل» لها والقادم أجمل.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 9 أكتوبر، 2016

في السويد: 6 = 8


هل سبق وسمعت بقانون "باركسون"؟ بكل بساطة يفترض القانون أن أي مهمة سوف يتمدد العمل فيها لكي تملأ الوقت المتاح لإنجازها، فمثلاً إذا خصصت ساعة واحدة لإنجاز مهمة محددة، مقابل ساعتين لنفس المهمة، فإنك تميل لإنجاز هذه المهمة ضمن الأوقات المتاحة، أي أن العمل يتمدد لكي يغطي الوقت المتاح سواء كان ساعة أو ساعتين!
بالطبع هذا ما يحدث في عملنا اليومي وكذلك في مهام حياتنا الخاصة، فالمهمة إذا ما كانت غير محددة بإطار زمني سوف يطول إنجازها، على عكس تلك الأخرى المحددة، هناك في مملكة السويد تلقفت بضع شركات هذا القانون منذ سنوات، واعتمدت على فكرته بتقليص عدد ساعات العمل اليومي من ثماني إلى ست ساعات فقط، على افتراض أن ما ينجز في ثماني ساعات من الممكن إنجازه في ست ساعات، متى ما توفر الحافز بساعات عمل أقل وخروج مبكر للمنزل.



مصنع شركة سيارات تويوتا غرب السويد تبنى هذا الأسلوب منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة، لُتظهر نتائج الشركة المتتالية ارتفاعاً في الربحية، وتصاعداً في سعادة الموظفين، ونسبة استقالات أقل، مما جعلها تستمر في نظام العمل ست ساعات يومياً حتى وقتنا الحاضر، الأمر الذي شجع قطاعات حكومية سويدية على تنبى الفكرة ودراستها عبر تطبيقها لمدة ستة عشر عاماً في إدارة حكومية في مدينة المناجم "كيرونا" شمال البلاد، ودراسة النتائج لمحاولة تطبيق الأسلوب وتعميمه، لكن هذه التجربة رغم بوادر نجاحها توقفت مؤخراً بسبب صراعات سياسية.
على الجانب الآخر يتزايد عدد الشركات السويدية -وبالذات شركات رواد الأعمال الشباب- التي تتبنى ساعات عمل أقل، مثل شركة "فيلمنديس" للتطبيقات الإلكترونية في استكهولم، التي اعتمدت هذا الأسلوب عبر تنويع المهام اليومية وتحديد الأهداف المطلوبة، ومنع إضاعة الوقت بالمكالمات الهاتفية الخاصة والتواصل الاجتماعي، مما انعكس على الإنتاجية وعلى مستوى سعادة الموظفين، فهم ينهون أعمالهم ويخرجون مبكراً، ويستطيعون قضاء وقت أوسع مع عوائلهم وأصدقائهم. دون إغفال تجربة المستشفى الجامعي في "غوتنبيرغ"، الذي حقق تصاعدا في إنتاجية أقسام الجراحة التي تبنت هذا المفهوم مبكراً، ناهيك عن تزايد شعور الأطباء والممرضات بالراحة النفسية والتركيز في العمل.



بالطبع ساعات العمل الثماني أطول من الساعات الست، لكنها حتماً ليست أكثر إنتاجية، وبالذات في القطاع الحكومي، حيث تغيب مؤشرات الأداء والأهداف ذات القياس المحدد، لذا يُعتقد أن اعتماد سياسة العمل لمدة ست ساعات وربطها بإنجاز مهام وتحقيق أهداف محددة سوف يزيد الإنتاجية ويرفع مستوى رضى العملاء، ناهيك أن التركيز على أداء مهمة واحدة سوف يزيد من كفاءة ساعات العمل الأقصر.
وحتى ذلك اليوم الذي تتقلص فيه ساعات العمل إلى ست ساعات؛ تستطيع أنت أن تكسب ساعات فراغ أوسع وهوايات أشمل؛ فقط متى ما وضعت جدولاً زمنياً محدداً ومكتوباً لإنهاء واجباتك العائلية والمنزلية، فهي كما الأعمال تتمدد متى ما كان الوقت المتوقع لإنجازها مفتوحاً، حينها سوف تشعر أن ساعات اليوم الواحد كافية لأي شيء ترغب به.

عبدالرحمن سلطان السلطان