الأحد، 10 أبريل، 2016

مغالطة التكلفة الغارقة


أعرف أن العنوان قد يكون صعباً وغير مفهوم، ولكنها الترجمة الأفضل لهذه الحالة التي حتما مررنا بها جميعاً، وهي للأسف موقفٌ قد يتكرر ويتحكم في الكثير من قراراتنا وبالذات المصيرية منها!
دعونا نتصور المشهد التالي: تشتري تذكرة سينما، وما أن تمر دقائق على بداية الفيلم حتى تتأكد أنه غير مناسب لك، وأنك لن تقضي وقتاً ممتعاً حتى نهايته، لكن ماذا تفعل؟ للأسف الكثيرون سوف يبقون حتى نهاية العرض، فقط لأنه دفع مالاً لا يمكن استعادته مقابل مشاهدة الفيلم، دون أن يدرك أنه حين يفقد عنصري المتعة والفائدة يصبح بقاؤه هنا مضيعة للوقت والجهد والمزاج كذلك! بينما لو خرج وقضى وقته المتبقى في شيء آخر لكان أفضل وأكثر بهجة له، هذا الإصرار بالمضي في القرار الخاطئ هو ما يطلق عليه: «مغالطة التكلفة الغارقة».
فلك أن تتخيل أن ما يتحكم في قراراتنا اليوم هو جزء من تحيزنا لإثبات صحة قراراتنا السابقة، رغم أن ما فات مات، وأن ما دفع من مال أو ضاع من وقت أو استهلك من جهد لا يمكن أن يعود من جديد، فلما نخسر مالاً إضافياً أو زمناً أطول أو حتى جهداً أكبر؟ فقط لنثبت لأنفسنا أو لمن حولنا صحة قرارتنا! وهو –أيضاً- المفهوم المستقى من علوم المحاسبة، وذلك حين تسجيل تكاليف مالية لمشروع خاسر لا يمكن استردادها، فيتم إطفاؤها محاسبياً والانطلاق إلى استثمار جديد يعود بالنفع على المنشأة التجارية، وليس الاستمرار في الخسارة.
بالطبع هذه المغالطة التي تزيدنا غرقاً في التكلفة الخاسرة تمتد لأشياء كثيرة في تفاصيل يومنا، فالبعض يجبر نفسه على تناول طعام لا يستسيغه فقط لأنه دفع ثمنه، والبعض يستمر في دراسة تخصص لا يطيقه فقط لأنه أنهى ساعات دراسية فيه، وآخر يُجِد في قراءة كتاب لم يرق له فقط لأنه تجاوز 30 صفحة منه، أو يستمر في علاقة صداقة خاسرة فقط لأنها قديمة، والأسوأ أن يستمر في استثمارٍ خاسر لأنه مرتبط عاطفياً به وبذل جهداً ضخماً في تأسيسه، وهكذا دواليك نتجاهل أن خسارتنا انتهت وولّت وأمست من الماضي؛ فلمَ نطيل أمدها ونحولها إلى تجربة مريرة أو مستقبل مزعج؟ ولمَ نجعلها استنزافاً لمواردنا وطاقتنا دون عائد مناسب؟ ولماذا نحرم أنفسنا من تجربةٍ ألذ ومستقبل أفضل؟
أعرف أن من الصعب اتخاذ قرارات مصيرية دون التفكير في التكلفة التي بذلناها، ولكن الحل يبدأ بالتصالح مع حقيقة أنها تكلفة انتهت ولن تعود، وأنها لا يجب أن تكون عائقاً أمام ما تحب أو ترغب في المستقبل، وأن نتجنب الفخ الذي يقع فيه أغلب بنى البشر، فنحن الكائن الحي الوحيد الذي يصر على خياراته الخاطئة ويستمر فيها، على عكس جميع الحيوانات! فقط لأنه يتعلق بقراراته الماضية ويتحيز لها.
واليوم وقبل أن تستمر بتجرع كأسٍ تشمئز منه، وقبل أن تواصل فعل ما تكره؛ تذكر دوماً أن قرارات المستقبل يجب ألا تكون أسيرة الغرق في الماضي وتكلفته؛ بل المستقبل والمستقبل فقط.

عبدالرحمن سلطان السلطان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق