الأحد، 17 أبريل، 2016

فخ «اللحظة المناسبة»




    دعنا نتصارح: ألم تندهش يوماً أن فكرة ما جاست في عقلك وجدتها منفّذة على أرض الواقع؟ ألم تُصب –مرة واحدة على الأقل- بشيء من الإحباط حين صدفت مشروعاً تجارياً تحقق وازدهر سبق أن أفصحت عن فكرة مشابهة له؟ بالتأكيد كلنا هذا الرجل.
نعم هناك عوائق كثيرة لتنفيذ ما نفكر به؛ الكسل، غياب التوجيه، التسويف وغيرها كثير، لكن ما العائق المشترك الذي يقف حجر عثرة أمام معظم أفكارنا ومشاريعنا؟ إنه هوس "اللحظة المناسبة"، أي أننا نتوقف عن الإقدام على الخطوة الأولى في التنفيذ أو عرض ما أبدعناه ما لم نكن مستعدين تمام الاستعداد! فالفكرة يجب أن تكون كاملة الأركان ومحددة التفاصيل، والمنتج لابد أن يكون كاملاً بلا نقص أو أخطاء، دون أن ندرك أن أهم أسباب وأد الأفكار وبقائها أسيرة مرحلة الأحلام فقط؛ هو الإغراق في التفكير واختلاق العقبات وابتداع الصعاب.
هذا الهوس بضرورة الكمال يؤججه توهم أن اللحظة المناسبة لم تأت حتى الآن، فاللوحة البديعة لن تنتهي أبداً، ولن يشاهدها الجمهور مالم تُفرج عنها، وفكرة المشروع التجاري لن تختبرها ولن تستمتع بنتائجها -رغم كل دراسات الجدوى الاقتصادية- إلا بعد أن تشمّر عن ساعديك في الميدان، وهو بالطبع ما ينطبق على كل ما نتعامل معه، فدعوة العائلة أو الأصدقاء إلى مأدبة عشاء لن تتحول إلى لقاء وبهجة ما لم تقم بدعوتهم، بعد التغاضي عن نقص هنا أو خلل هناك.
المعضلة الثانية المرتبطة باللحظة المناسبة هو عشقنا للبدايات الزمنية المميزة، فتخفيف الوزن يبدأ من أول أيام الأسبوع، والانتهاء من مراجعة الدرس نهاية الأسبوع، أما المشروع الحلم فلا بد أن يطلق غرة الشهر وهكذا دواليك، مما يجعلنا نخسر وقتاً بلا مقابل، والأسوأ من ذلك نخسر الحماس والبداية القوية. وهو بالضبط ما كنت أقع فيه كثيراً، حتى قررت منتصف شهر أكتوبر الماضي أن أُلزم نفسي بقراءة كتاب واحد كل أسبوع، وعلى الفور قررت أن أبدأ بعد عشرة أسابيع، لتتوافق انطلاقتي مع بداية السنة الجديدة! ولكن حمداً لله أنني استطعت تجاوز فخ "اللحظة الكاملة" وبدأت على الفور، مما جعلني أستطيع قراءة عشرة كتب كاملة قبل بداية العام! وما يدريك لو أنني أخّرت المشروع إلى غرة العام لكُنت فترت أو نسيت الفكرة.
ثِق عزيزي أنك لن تشهد هذه اللحظة "المثالية" أبداً، والسبب ببساطة أن تلك اللحظة مجرد أسطورة لا يمكن أن تتحقق إلا بصعوبة شديدة، حينها يكون الوقت غالباً متأخراً، أو قد فات الآوان، لذا فمتى ما تمكنت من الأركان الأساسية للفكرة وشعرت أنها شبه جاهزة؛ فابدأ على الفور، وهو ما يعني أن تبدأ "الآن" بالضبط، وألا تغرق في التفاصيل والأفكار، التي غالباً ما سوف تجعلك تتوقف قبل أن تبدأ، لأنك حتماً سوف تجد وسيلة لتجاوزها متى ما خطوت الخطوة الأولى نحو تنفيذ ما تحلم به.
حذاري من فخ "اللحظة المناسبة" فمتى ما سقطت فيه؛ فسوف تنتظر طويلاً وأنت تتحسر على أفكارك المؤجلة، وتبقى محتجزاً هناك حتى تتشجع وتتجاوز "اللحظة المناسبة" للخروج منه.

عبدالرحمن سلطان السلطان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق