الأحد، 24 أبريل 2016

دييغو وفريدا



     من الممكن أن يحقق الإنسان نجاحاً معتبراً لوحده، لكن هل يمكن أن يتضاعف هذا النجاح ليكون مدوياً وغير منسي؛ فقط لأنه توافق مع نجاح متصاعد –أيضاً-  من رفيق دربه العائلي أو من صديقه اللصيق؟

بالطبع هنا تكمن وصفة أخرى للنجاح، وهي البحث عن رفيق درب يوافق هوى الشغف، ويهتم لما تحب أن تنجح فيه، ويدرك كمَّ المعاناة التي تتجرعها، ليمسي سنداً وشريكاً، ولنا في المسيرة الإبداعية للرسام المكسيكي "دييغو ريفيرا" وزوجته قصة تستحق أن نقف عندها.

فالرسام الشهير الذي ابتدع حركة جدارية جديدة في الفن التشيكلي المكسيكي وكان في قمة مجده لم يمنعه ذلك من الوقوع في شرك الرسامة الصاعدة للتو "فريدا كاهلو"، رغم أنه كان يبلغ ضعف عمرها حينما تقدم للزواج منها، لكن انبهاره بتلك الفتاة الساكنة والمتجهمة جعله لا يتردد بالارتباط بها.





كان الزوجان المبدعان مؤمنين بالأفكار الشيوعية وبالذات الثورية منها، وكانا عضوين في الحزب الشيوعي المكسيكي، وشهدا ذروة انتشار الفكر الماركسي هناك، هذا الاهتمام الشديد جعل "دييغو" يخلط عقيدته في رسوماته وبالذات الجدارية منها، فهي غالباً ما تحفل بهموم طبقة العمال وانتهازية قوى رأس المال، على عكس "فريدا" التي واصلت اهتمامها برسم "البورتريهات" المعبرة عن رؤية لاذعة وناعمة لما ترزح تحته روحها المعذبة من صعوبة حركتها وتشوّة رجلها اليمنى، ناهيك عن علاقات زوجها الغرامية المتعددة، وهو ما قادهما إلى الطلاق بعد اكتشاف خيانة "دييغو" لزوجته مع أختها! لكنهما عادا لبعضهما من جديد بعد سنة واحدة فقط! ليستقبلا المفكر الشيوعي "تروتسكي" في منزلهما بعد نفيه وهروبه من رفيق دربه "ستالين"، لكنها لم تنس ما فعله زوجها فردت الصاع بخيانته مع ضيفهما!

الزوجان ورغهم توافقهما العقدي إلا أنهما -وكعادة الكثير من الفنانين- كانا يتّصفان بغرابة الأطوار، ليس هذا وحسب بل وبالتصرّفات المتقلّبة والجامحة، مما جعلهما يكونان خلطة عجيبة من الآراء الفنية والنقد القاسي لأعمال كلٍ منهما، لكنهما لم يتخليا عن دعم أعمالهما حتى لو كانت متطرفة وخارجة عن الاتجاه العام للمجتمع، كما حدث عندنا كُلف "دييغو" برسم جدراية ضخمة على حائط بهو ناطحة سحاب عائلة "روكفلر" في نيويورك، حينما رسم وجه أحد الشخصيات بشكل مقارب للزعيم السوفيتي "لينين" مما حدا بعائلة روكفلر الطلب منه تغييرها، لكنه رفض بشدة وساندته زوجته في ذلك، بل وصفتها "أنها أجمل لوحاته!" بيد أن الجدارية دُمرت على الفور وحَزم الزوجان حقائبهما، ولكنهما قبيل العودة أصيبت "فريدا" بنزيف شديد فلقد كانت حاملاً رغم خطورة ذلك عليها، ففقدت جنينها ثم أصيبت باكتئاب حاد، لم تخرج منه إلا بعد موافقة زوجها على إحضار الجنين الميت ووضعه في برطمان زجاجي أمامها، حتى تستلهم منه لوحة سريالية تخرج فيها كل ما يختلج بصدرها من ألم وقهر.





علاقة مضطربة ونزاعات يومية، كانت الوقود الذي أمدهما بكل ما يحتاجانه لشحذ ريشتهما، والاستمرار في إبداعهما، فأنتجت لوحات جدارية تفخر بها المكسيك قاطبة، ولوحات منتشرة في أرقى متاحف العالم، والأهم من ذلك التأكيد على أن مجد الإبداع يزهر وينمو من رحم تقلّب نوائب الدهر ومرارة الحياة.

عبدالرحمن بن سلطان السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق