الأحد، 5 يونيو، 2016

خرافة امتداد التخصص

 " تخرجتُ مهندسة كهربائية، وعلى الفور التحقت بوظيفة تنافسية في القطاع الخاص، لأكتشف مدى تعقد بيئات وثقافات العمل، فاتجهت للحصول على شهادات إدارية متنوعة، لكنني في النهاية وجدت نفسي حاصلة على درجة الدكتواره في علم نفس الأنظمة الاجتماعية"!
إنها عالمة النفس الأميركية الدكتورة "شارلي قاردن"، التي حضرت لها قبل أيام محاضرة طويلة جداً في أوستن عاصمة ولاية تكساس، والتي أبدعت فيها عن اتجاهات وسلوك بيئات العمل، وكيفية بنائها وجعلها أكثر نجاحاً وفعالية، لكن أهم ما جذبني فيما قدمته؛ هو تنوع الأمثلة والحالات، ومزجها العلوم المهنية بالعلوم الإنسانية، مما جعل الخمس ساعات المتواصلة تنتهي سريعاً!
وفي حديث جانبي مع "قاردن" أفصحت أن أحد أسباب هذا التنوع هو تجازوها فخ "امتداد التخصص"، والذي كان ليحصرها فقط في علوم الهندسة وما يتفرعها، وقد يحرمها من مزج علمها الأساسي بعلوم أخرى قد تنتج أفكاراً مبتكرة، وفرصاً وظيفية أوسع، ومساراً مهنياً متميزاً، وهو ما تراه متكرراً لدى طائفة واسعة من ناجحي سوق العمل، بينما نحن هنا لا نزال متلزمين بما جناه اعتمادنا في بدايات تأسيس التعليم الجامعي على النظام التعليمي في الشقيقة مصر، والذي يحصر التقدم العلمي الجامعي بضرورة أن يكون ضمن علوم امتداد التخصص، فإن تخصصت في الرياضيات فيجب أن تبقى طوال حياتك بين "التفاضل" و"التكامل"، وإن تخصصت في الأحياء فليس لك خلاصٌ من "الطلائعيات" أو "النباتات"، وهذا بالتأكيد ما قد يحرمنا بهجة اكتشاف ما قد نحب أكثر وما قد نبرع فيه أفضل، على عكس ما يمكن أن تلاحظه في أي مسح سريع لتخصصات أساتذة الجامعات الأميركية، فالغالب الأعم هم من يجمع تخصصين أو ثلاثة، بل يكاد يعتبر تنوع التخصصات ميزة إضافية للأستاذ الجامعي، والذي قد يكون سبباً لاختلاقه علماً جديداً يولد من رحم مزج تخصصين اثنين.
ليست قضية تنوع التخصصات التي قد يدرسها الشاب مسألة تلبية رغبة شخصية بقدر ما أنها من أهم وسائل بناء الشخصية وتشكيل تنوّعها، وتحقيق الفائدة القصوى من نقاط قوة كل علم، وتجاوز فجوات العلم الآخر، وهو ما قد يذكرنا بعلماء العصور الذهبية للإسلام، حينما كنا نرى العلماء الموسوعيين، الذين لم يكن يمنع بعضهم من الكتابة والتأليف في الكيمياء رغم أنه عالم شريعة وهكذا دواليك، لأنهم بذلك يحققون شمولية العلم، وأن العلوم مهما تفرعت فإنها في النهاية تلتقي وتتكامل، وبالطبع لا أجمل من دراسة تخصص من العلوم الطبيعية ثم آخر من العلوم الإنسانية أو العكس، فلكل علم منهما أسلوب مختلف في الدراسة ومصادر المعلومات، ولكل منهما مجتمع أعمال وتطبيقات –أيضاً- مختلفة، فلمَ نحرم أنفسنا من كل هذا؟ فقط لأننا وجدنا أباءنا على ذلك!
ألقِ نظرة على من حولك، حدد من درس أو عمل في مجالين أو أكثر؛ ألا تلاحظ أنه أكثر ثراءً ومعرفة، أكثر جراءة واقتناصاً للفرص، وقد يكون أكثر رضاً في حياته، ومحققاً لشغف عمره؛ فلمَ تبقى أسير خرافة لا أصل لها، تشجع يا صديقي وأطلق جناحيك نحو التخصص الثاني، وتأكد أنك لن تعيش حياة ثانية لتجرب تخصصاً آخر، افعلها الآن!

عبدالرحمن سلطان السلطان



هناك تعليق واحد:

  1. اتفق معك عزيزي..تمازج العلوم هو المستقبل.

    ردحذف