الأحد، 21 أغسطس، 2016

«الحتة الوسطانية».. نحن السبب!

لم يكن مفاجئاً أن يخرج علينا الأديب المصري "يوسف زيدان" بحديثه الشعوبي عن "الحتة الوسطانية"، وهو من سبق أن قال كلاماً أسوأ من ذلك في مهرجان القرين بالكويت قبل سنوات، لكن المزعج هنا أن معظم ردودنا عليه أكدّت جهلنا العميق بتاريخ الحضارات المتوالية التي شمخت هنا.



دعونا نتصارح؛ الغالب الأعم من شبابنا لا يعرف من مرّ هنا، فالمناهج الدراسية قاصرة عن التعريف بممالك العرب قبل الإسلام ناهيك عن قبل الميلاد، وقنواتنا الإعلامية والإبداعية تخلو من إي إشارة لتلك الأمم وإرثها، فكيف نفخر بما لا نعرف؟ وكيف نستغرب من الآخرين تجاهل تاريخنا الذي نتجاهله نحن!
توالت على الجزيرة العربية العديد من الحضارات، بعضها تلو الآخرى وبعضها خلال نفس الفترة الزمنية، فلو بدأنا بالأمم الغابرة فهناك عاد وثمود وهم من عمّر الجزيرة العربية في الألف الرابع قبل الميلاد، ثم الممالك العربية المبكرّة وهم من عمرها خلال الألف الثانية قبل الميلاد، مثل مدين وآدوم وعمون ومؤاب، تليهم المماليك العربية الوسيطة والذين عاشوا في الألف عام قبل الميلاد، مثل دومة في الجوف، ومملكة كندة وعاصمتها مدينة الفاو التي تقع بين وادي الدواسر وجبال طويق ولا تزال بعثات الآثار تكتشف المثير من حضارتها، كل هؤلاء وغيرهم أثار حضاراتهم باقية، ولا تزال شاهداً على مسيرة إنسان شبة الجزيرة، وبالذات دوره التجاري وتطويره للحرف العربي ولهجات القبائل العربية.
المأساة هنا أن تفاصيل كل هذه الممالك والحضارات لا نعرفها، لا نعرف لهجاتهم ولا أزياءهم، لا نعرف عاداتهم ولا تقاليدهم، لم نسمع عن مشاهيرهم ولا نحفظ قصصهم، بينما نعرف الكثير عن الفراعنة وغيرهم من الحضارات، نعرف الألغاز الأهرام الثلاثة، نعرف خفرع ومنقرع، نعرف حتى أسماء علماء أثار المصريات وقصصهم، والسبب هو اهتمام احفاد تلكم الحضارات بأسلافهم، سواء عبر التعريف بها والاعتناء بأثارها، أو –وهو الأهم- استلهامها في منتوجهم الأدبي والفني؛ في الرواية والقصة والمسرح والسينما، بينما نتجاهل نحن تاريخنا ونكتفي بإشارات خجولة عن بعض الشعراء ومنازلهم.
هناك الكثير والمثير ليحكى ولنتعلم منه، مستوطنات بشرية موغلة في القدم كما في سدود والخرج، شواهد صخرية كما في "رجاجيل" الجوف الأقدم من صخور "ستونهنج" البريطانية بما لا يقل عن الألف عام؛ تؤكد أن إنسان هذه المنطقة استمر في إعمارها رغم قساوة طقسها وضراوة ظروفها، لكنه استطاع التكيّف والبناء والاختلاط بالأمم المحيطة، أليس أقل ما نقدمه لتاريخنا هو أن نعيد اكتشافه من جديد؟ أن نخبر العالم بمن نحن وبما فعله الأوائل هنا على هذه الأرض المباركة؟ بلى.. فهل نبدأ خطوة الألف ميل ونصدح بتاريخنا، أم نبقى نلقي باللوم على من يلمزنا ولا يعرفنا؟

عبدالرحمن سلطان السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق