الأحد، 16 أكتوبر، 2016

مغني نوبل

في العشرين من عمره وصل الشاب «روبرت زيمرمان» إلى نيويورك، هارباً من مسقط رأسه وجامعته التي لم يكملها حيث لا يوجد تقديرٌ للفن والموهبة، وصل قِبلة الحانات والمقاهي والفن ولم يكن يحمل سوى قيثارته وحقيبة صغيرة وآمالاً عظيمة.



هناك اندمج سريعاً مع مجتمع الموسيقى والحفلات، وبالذات موسيقى «الفولك» التي كان مهتماً بها مؤخراً، بعد أن كان مستمعاً لصيقاً لموسيقى «البلوز» و»الريف» ثم «الروك أند رول»، لكنه انفتح أيضاً على أنواع أخرى من الموسيقى كالجاز، وهناك في أحد أندية الجاز تعرف على الشاعر الأميركي الثائر «إروين آلن غينسبرغ» الذي شجعه على كتابة شعر ثوري احتجاجي، يعبّر عن روح شباب المرحلة عبر موسيقى «الفولك» التي يتقنها.
خلال عام واحد فقط، ومن حفلة إلى آخرى بزغ نجم هذا الشاب النحيل، وأضحى حديث «التفاحة الكبيرة» ومطلب الشباب، ليغير اسمه اليهودي إلى «بوب ديلان» ثم يصدر ألبومه الأول، الذي حقق انتشاراً كاسحاً، فالصوت الرخيم ذو النبرة الحزينة والكلمات الثائرة كان أفضل وصفة للتعبير عن انكسارات وآمال الشاب الأميركي. ليستمر في النجاح ويفعلها في العام الذي يليه حينما كتب وغنى باستخدام آلتين موسيقيتين فقط رائعته: «في مهب الريح»، التي عبرت بصدق عن هواجس وخوالج الشاب المقدم على الحياة، الباحث عن فرصة ليثبت نفسه، وعن الحق الفطري لأي إنسان في الحرية والمساوة، من خلال مطلعها الذي يسأل: «كم من الدروب يبنغي أن يقطعها الرجل ليستحق رجولته؟» وهي القصيدة التي امتدحها النقاد لبساطتها وشاعريتها ولتأثرها بنصوص دينية دون أن تشعر بذلك، والأهم لغموض نهايتها الممتنعة حين يقول مكرراً في إجابة مفتوحة: «الجواب يا صديقي في مهب الريح»، والتي أضحت -كذلك- شعاراً لمناهضي الحروب وشباب حركات الحقوق المدنية، كما فعلت لاحقاً قصيدته التي غناها: «سادة الحروب».





لكن موهبة «ديلان» لم تتوقف، بل اتسع مداها إلى هموم الإنسانية المعاصرة بعد أن تجاوز دائرة القصائد التي تتناول قضايا أشخاص محددين، وأمسى أكثر شجاعةً لتجربة أنماط بلاغية مختلفة، ساعدته على اختصار أفكاره وتكثيفها وتقديمها في صور مختلفة، ناهيك عن تحوله السريع منتصف السبعينات إلى عزف القيثارة الكهربائية، لينتقل من موسيقى «الفولك» إلى «الروك» مرافقاً لتحول اهتمامات الشباب الأميركي، ومُعبراً عما يختلج في صدروهم.
نجاحه المتواصل لم يكن ليستمر لولا اهتمامه الكبير بكلمات أغانيه، التي تجاوزت لوعة الحب إلى «مواضيع مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة والحب» على حد تعبير لجنة جائزة نوبل قبل أيام، وبالطبع هذا الإبداع المتواصل تجاوز كتابة وغناء الشعر إلى نشر بضعة إصدارات تجريبية ومجموعة كتب ورسومات وكتاب سيرة ذاتية، والحقيقة أن «ديلان» يمثل صورة الفنان الشامل، فهو بالإضافة إلى تركيزه على الشعر والغناء هو –أيضاً- رسام وممثل وكاتب سيناريو، وكذلك نهر من الفن لا يتوقف، ذلك أنه أصدر ألبومه الغنائي السابع والثلاثين منتصف هذا العام وهو يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين!





الشيء الرائع في مسيرة «ديلان» أن فوزه كأول كاتب أغانٍ بجائزة الأدب الأولى «نوبل»، جاء ليؤكد أن مجالات الإبداع الأدبي لا يمكن حصرها فقط في الشعر والقصة والرواية، وأن مختلف الأصناف الأدبية يجب أن يكون لها من التقدير والاهتمام ما للأصناف الكلاسكية، وها هي اليوم تسجل أول «نوبل» لها والقادم أجمل.

عبدالرحمن سلطان السلطان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق