الأحد، 25 ديسمبر، 2016

تخيّل صيدلية بلا صيدلي ..!


بالتأكيد أنك سوف تتعجب من هذه البدعة الجديدة التي لم يسبقنا إليها أحد, ولكن يبدو أنها هي الحل غير المسبوق الذي تفتقت عنه أذهان المسؤولين عن سوق العمل, فشرط أن يكون الصيدلي هو من يعمل في الصيدلية أمسى عائقاً – في نظرهم - أمام توطين النشاط, فصار الحل السهل هو إلغاء "المتطلب التأهيلي للصيدلي العامل في الصيدلية" على حد تعبيرهم, أي بعبارة أوضح: الاستغناء عن الصيدلي!
 
 
لست في معرض الحديث عن الدور المحوري الذي يقوم به الصيدلي, فهو المتخصص الخبير في علوم الدواء وما يتفرع عنها, وهو الحامل لذخيرة علمية وعملية تقف بالمرصاد للأخطاء الطبية, سواء داخل المستشفى, أو في خط التماس في صيدليات المجتمع, وأثره ملموس كما توضح ذلك العشرات من الدراسات المنشورة عن قياس أثره الصحي والاقتصادي, متى ما أعطي الصلاحيات ودعم بالإمكانات, كما هو تقرير الدراسة التي أجرتها الجمعية الصيدلية الكندية, وشملت 500 صيدلية مجتمعية في جميع مقاطعات كندا، وامتدت لمدة أربعة أسابيع فقط، وتناولت مدى تأثير التدخل الصيدلاني بالنسبة للأدوية الرفيّة OTC (تصرف بدون وصفة طبية)، إذ سجلت النتائج الآتية: توفير ما مقداره 79- 103 ملايين دولار كندي نتيجة التدخل الصيدلي المباشر، توفير ما مقداره 19 مليون دولار كندي نتيجة تحديد المرضى غير الملتزمين بالخطة العلاجية الموصوفة، توفير ما مقداره 168- 265 مليون دولار كندي نتيجة لتثقيف المرضى حول حالتهم المرضية وأدويتهم المستخدمة, وبواسطة تحليل بسيط لهذه النتائج يتضح أن إفساح المجال للصيدلي – وليس إلغاء دوره تماماً - للعب دوره أدى إلى توفير ما يقارب 388 مليون دولار أو ما يعادل 64 ألف دولار للصيدلية الواحدة! إضافة إلى ذلك أدعوكم للاطلاع على تقرير "مراجعة الخدمات الصيدلية في كندا وأثرها الاقتصادي على الصحة العامة" لعام 2016م والمتوفر على موقع جمعية الصيدلة الكندية, وفيه تفصيل أوسع عن دور الصيادلة في مكافحة التبغ وحملات لقاحات الأنفلونزا وغيرها من الخدمات الصحية.
الإشكالية الأخرى لهذه الفكرة العجيبة أنها تضرب بعرض الحائط جميع الأنظمة الصحية المعمول بها بالمملكة، إذ وحسب المادة الثالثة والعشرين من (نظام الممارس الصحي) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/53 وتاريخ 4/11/1426هـ يحظر صرف الأدوية إلا من قبل صيدلي مرخص، وهو بالمناسبة كل من يحمل شهادة بكالوريوس علوم الصيدلة أو الدكتوراه في الصيدلة من إحدى كليات الصيدلة بالمملكة أو ما يعادلها حسب المادة الأولى من (نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/31 وتاريخ 1/6/1425هـ, بل إن الفقرة (ب) من المادة الثالثة والعشرين تؤكد عدم السماح لفني الصيدلة – حامل دبلوم الصيدلة - أن يصرف الوصفة الطبية إلا تحت إشراف صيدلي مرخص له، فما بالك بصرفه من الآخرين!
المأساة الأخرى أننا وبعد عقود طويلة من وجود كلية واحدة للصيدلة في الجامعة الأم, أضحى اليوم لدينا أكثر من عشرين كلية صيدلة حكومية وخاصة! فهل يقابل هذا التصاعد الهائل لخريجي الصيدلة بمحاولة تقليص سوق العمل, وإقصاء الصيادلة عن ميدان عملهم الأساسي!
بالتأكيد إن هذه الفكرة خرجت دون استشارة المختصين من صيادلة وغيرهم, ودون الإدراك الكافي لمهنةٍ تعد ركناً أساسياً في منظومة الرعاية الصحية, وأن وزارة العمل سوف تتراجع عن خنق خط الدفاع الأخير قبل وصول الدواء للمريض.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان
 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق