الخميس، 18 فبراير، 2016

حرب النجوم في البيت الأبيض

 نهاية شهر ديسمبر الماضي وقبل أن ينهي الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» مؤتمره الصحافي عن مكافحة الإرهاب وعزمه مضاعفة الضغط لهزيمة «داعش»، استدرك مبتسماً: «بالطبع هذا الحدث ليس الأهم الذي يقع بالبيت الأبيض اليوم»!
وعلى الفور غادر أوباما مؤتمره الصحافي لينضم إلى أُسر الجنود الذين قضوا خلال احتلال العراق، والذين دعاهم لمشاهدة عرض خاص للجزء الجديد من فيلم «حرب النجوم» في البيت الأبيض! ليس هذا وحسب، بل إن السكرتير الإعلامي للرئيس «جوش إيرنست» الذي تولى استقبال الأسئلة بعد مغادرة الرئيس لم يكن لوحده، ذلك أنه دخل برفقة شخصيات من الفيلم الذي كانت عروضه سوف تبدأ بعد أيام، أما المرافقون فكانا جنديين من قوات العاصفة بزيهم المعدني الأبيض الشهير، والربورت الأكثر شهرة: (أر تو- دي تو).







استمر «جوش» بالإجابة عن أسئلة الصحافيين من الأنحاء كافة؛ أسئلة عن الإرهاب، عن الاقتصاد العالمي، الموقف الأمريكي، كل هذا وشخصيات الفيلم تقف حول المتحدث، وكأنما تحّولت خشبة المتحدث الإعلامي للبيت الأبيض لساحة دعاية مجانية للفيلم عبر العالم، بالطبع لم يكن الأمر تسلية فقط أو مجرد دعاية تسويقية لفريق الرئيس الحالي، بل هو تطبيقٌ للإيمان التام بأهمية القوة الناعمة الأمريكية، وأثرها الواسع على دعم السياسة والاقتصاد الأمريكي، فالأرقام القياسية التي ما زال شباك تذاكر الفيلم - ليس فقط في أمريكا بل حول العالم - يحققها، تؤكد أن مليارات الدولارات في طريقها نحو الاقتصاد الأمريكي، سواء عبر تذاكر المشاهدة في دور السينما، أو عبر إيرادات المبيعات غير المباشرة، مثل الملابس والإكسسوارت والتذكارات وغيرها، التي وفي مثل نوعية هذا الفيلم غالباً ما تحقق أرقاماً أعلى بكثير من إيرادات التذاكر، مثل سلسلة ألعاب الفيديو التي جنت حتى نهاية شهر ديسمبر أكثر من مليار دولار، واستطاعت تجاوز مبيعات 13 مليون نسخة، ومن المتوقع أن يتصاعد الرقم بشكل خرافي خلال الأشهر القليلة القادمة.

تشير التوقعات إلى دخول الفيلم نادي الأفلام الأكثر إيراداً في التاريخ، فالحملة الترويجية استطاعت الوصول إلى الكثيرين، واستطاعت تجاوز ضمان حضور مهووسي «حرب النجوم» فقط إلى شرائح متعددة من أي مجتمع، لأن الجميع يريد أن يشاهد هذا الجزء الذي حطم الأرقام السابقة، وتجاوز عقدة صعوبة نجاح الأجزاء اللاحقة لأي سلسلة سينمائية، ورغم أنه لا يقدم خيالاً علمياً جديداً كما يفترض، لكنه التسويق أولاً، الذي لم يترك موقعاً إلكترونياً شهيراً، أو منصة تواصل اجتماعي متداولة إلا ووضع بصمته هناك، حتى أوباما كان له نصيب من التسويق وحضور العرض الأول، وأنت أيضاً ألست متشوقاً لمشاهدته؟

عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 9 فبراير، 2016

رامسفيلد لن يهدد مارك زوكربيرغ

هل تتذكرون "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الأميركي خلال رئاسة جورج بوش الابن قبل 10 سنوات؟  يبدو أن هذا العجوز البالغ من العمر 83 عاما أضاف لقبا جديدا له، وهو: "منتج تطبيقات إلكترونية"!
لكن ما سبب اقتحام صناعة التطبيقات الإلكترونية لرجل سياسة ودهاء لا يزال يعمل منذ أكثر من 50 عاما متواصلة؟ ويفترض أنه تقاعد منذ زمن طويل! تعود القصة إلى قبل عامين، حينما طلبت إحدى شركات إنتاج الألعاب الإلكترونية مساعدته في تطوير وإطلاق نسخة مختلفة من لعبة الورق "سولتير"، ويبدو أن "رامسفيلد" راقت له الفكرة، واعتبرها تحديا جديدا يضاف إلى مسيرة حياته المليئة بالأحداث والمنعطفات، فطفق يتعلم أساليب تصميم الألعاب الإلكترونية، ويطور مهاراته الحاسوبية، حتى يستطيع المساهمة في تحويل لعبة السولتير الورقية التي يتقنها إلى تطبيق إلكتروني سهل وبسيط، وهذا ما حدث حينما أعلن مؤخرا عن تدشين تطبيق اللعبة الإلكترونية: "تشرشل سولتير"!



يقول "رامسفيلد"، إنه تعلم اللعبة الأصل، ووقع في شراكها عام 1973، حينما كان سفيرا للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي "الناتو" على يد الدبلوماسي البلجيكي "أندرية دي ستيركا"، الذي يزعم أنه تعلمها عام 1940 مباشرة من رئيس الوزراء البريطاني الشهير: "ونسون تشرشل" نفسه! حينما كان الشاب "أندريه" مرافقا لحكومة بلاده البلجيكية في لندن بعد غزو هتلر لها، بيد أن "رامسفيلد" وقع في غرام هذه اللعبة الفريدة من نوعها، وهو يلعبها منذ تلك الأيام وعلى مدى 4 عقود مع زوجته وأبنائه والقلة القليلة من أصدقائه الذين علمهم إياها، سواء في رحلة جوية طويلة أو نهاية يوم عمل حافل، كونها تختلف عن أنواع "السولتير" الأخرى المعتمدة على الحظ فقط، بأنها تعتمد على النظرة الإستراتيجية ورسم عدة سيناريوهات مختلفة، والتي تساعد على تحسين التركيز وشحذ الذهن
وسبحان مغير الأحوال، فالرجل الذي كان يتهرب من ملاحقة الصحفيين، ويؤكد دوما أنه "ليس مهتما بالتفاصيل.."، صرح مؤخرا أنه قضى ساعات لا تعد في تطوير إصدار نسخة "البيتا" من اللعبة، قبل إطلاقها رسميا في متاجر تطبيقات الهواتف الذكية
والحقيقة، أن اللعبة تستحق أن تجرب، فهي مختلفة ومشوقة، خصوصا أن بإمكانك تحدي الآلاف من اللاعبين، ومشاركة تجربتك ورقمك المسجل في وسم اللعبة عبر وسائط الاتصال الاجتماعي، وهي الكلمة الشهيرة لتشرشل #nevergivein "لا تستلموا أبدا"، والتي كان دوما يكررها للشعب البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.
لن أتحدث هنا عن "رامسفيلد" الذي لم يفكر في تقدم عمره حينما بدأ المشروع، وأنه لم يبق في عمره شيء يوازي ما قد مضى، بل عن رؤيته عن سر البقاء شابا، فهو يقول: "من بين الأشياء التي يتعلمها المرء مع مرور الوقت أن الجميع يزداد عمرا، ولكن ليس الجميع مقدرا له أن يشيخ؛ وأحد أفضل الطرق للبقاء شابا هو الاستمرار في التعلم"، وهو ما يطبقه حرفيا في حياته، فهو لا يزال حتى بعد تقاعده من العمل الحكومي قبل 10 سنوات؛ نشطا على المستوى الحزبي، وعلى مستوى المبادرات الاجتماعية، والظهور في وسائل الإعلام، والمشاركة في مناقشات مراكز الأبحاث وغيرها، وها هو اليوم يقتحم مجالا لم يكن يعرف ما معناه قبل الدخول فيه على حد تعبيره



والملاحظ في الأمر أنه يبدو مستمتعا بما يفعل، فخلال الأيام الماضية ظهر "رامسفيلد" مسوقا للعبة في معظم شاشات شبكات التلفزة الأميركية، والمثير أنه حرص على الظهور شابا، فلم يرتد في أي لقاء بزة رسمية، بل ملابس غير رسمية ذات روح شابة، حتى لا تكاد تصدق أن من يتحدث قد تجاوز عقده الثامن!
يسخر "رامسفيلد" في مدونة اللعبة على شبكة الإنترنت من نفسه، فهو يقول إنه لا يستطيع القول إن هذا التطبيق سيكون الأخير الذي يشارك فيه، "فهو في النهاية لم يبلغ سوى 83 عاما فقط!"، لكنه من جهة أخرى يطمئن رواد التقنية الشباب بقوله: "إنه من الجيد القول: إن مارك زوكربيرغ –مؤسس فيسبوك- لا يجب أن يقلق من أي شيء!".


عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 1 فبراير، 2016

إحياء وسط الرياض

هل يمكن أن تخطط عائلة سعودية تعيش في العاصمة الرياض أن تقضي أمسيتها وسط المدينة؟ للأسف لا يحدث هذا الأمر، فوسط المدينة تحول منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى مجرد مركز تجاري للتوزيع أو سكن رخيص للعمالة فقط، ورغم كل المحاولات الحثيثة للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أن تحيي المنطقة إلا أنها لا تزال خارج نطاق الاهتمام والمنافسة.
في عام 1408 وحينما أطلقت "الهيئة العليا" ورشة مشاريع وسط الرياض كان الأمل معلقا نحو جذب المواطنين من جديد إلى وسط العاصمة، بعد أن انتقل أغلبهم إلى الأحياء الجديدة، رغم تفوق الوسط باحتوائه على جميع الخدمات اللازمة، ولكن زيادة عدد الوافدين وإغراءات المناطق الجديدة سرّعت من هذه الهجرة، فأضحى المواطنون غرباء وسط مدينتهم، كما أدى ذلك إلى تراجع النشاط السكني مقابل تزايد الأنشطة المساند للأنشطة التجارية كالمستودعات وإسكان العمالة، نظرا لانخفاض الإيجارات المتواكب مع تراجع الحالة العمرانية، الأمر الذي أثر تراكميا على دور وسط المدينة ووظيفته الرئيسية، والصورة الذهنية للمكان.






وكان أن انطلقت مشاريع ضخمة لإعادة إحياء الوسط من جديد، عبر تثمين ثم هدم جزء من المنطقة المركزية، وبناء قصر الحكم، وجامع الإمام تركي بن عبدالله، ومجمع أسواق "المعيقلية" التي حافظت على تجارها السابقين بمنحهم محالّ في المجمع الجديد، وكذلك سوق "سويقة" المجاور لقصر "المصمك"، لكن رغم المشاريع الكبيرة والفعاليات الشعبية التي تولت تنظيمها أمانة العاصمة، إلا أن النشاط التجاري لمركز العاصمة لم ينجح في جذب الأجيال الشابة نحو المنطقة إلا فيما يخص بيع الأقمشة الرجالية والعود وبعض متاجر الجملة.
واليوم تطلق "الهيئة العليا" مرة أخرى مشروعا طموحا لإعادة إحياء المنطقة من جديد، ورغم أن المشروع يحتوي على عناصر جديدة كتأسيس شركة تطوير حكومية لتنفيذ وتشغيل المشروع، وكالفندق ذي الطراز الشعبي، والمسار الثقافي التراثي، إلا أننا حتما سوف نواجه نفس النتيجة من جديد، ولن يجذب المشروع من يسكن في أحياء على طرف المدينة يبعد بعضها أكثر من ثلاثين كلم، حتى يتسوق من أسواق يتوافر مثلها بالقرب منه، رغم أن المشروع يحتوي على عنصر إضافي وهو إعادة جذب المواطنين للسكن من جديد في المنطقة!
الإشكالية الكبرى هنا أن المنطقة لا تتميز بأي ميزة تنافسية مختلفة عن أي حي من أحياء المدينة، فما الذي يجعلني أتجشم عناء الطريق والزحام حتى أصل إلى هناك؟ فالمجمعات التجارية ذات تصميم حديث، وكأنما أنت في "مول" تجاري حديث، وليست كما يفترض أن تكون ذات صبغة شعبية جذابة، والأسعار ليست أرخص من غيرها، فضلا عن أن الصورة الذهنية لا تزال لم تتغير.
لذا لا بد من التفكير خارج الصندوق بمنح المنطقة ميزات تنافسية تجعلها تتقدم نقطة أو نقطتين على المناطق الأخرى، فمثلا لماذا لا يدرس منح تراخيص للمقاهي الشعبية هناك، على أن تحتوي على جميع ما تقدمه المقاهي الشعبية خارج النطاق العمراني بالمدن السعودية، من مشروبات وكذلك منتجات التبغ المحلية مثل "المعسل" و"الجراك"، فهذه المواد ليست ممنوعة حسب النظام، بل يتم تداولها نظاميا، ولكن فقط خارج النطاق العمراني، ومنح هذه الميزة تحت رقابة البلدية سوف يزيد من الإقبال على المنطقة ويعيد شيئا من وهجها القديم.
أيضا لمَ لا تقوم "الهيئة العليا" بإنشاء مجموعة مسارح ذات سعات متفاوتة؟ تؤجر بأسعار رمزية للفرق المسرحية، خاصة الشبابية منها، ويستفاد منها بتنظيم الحفلات والاستعراضات الفنية، وأن تنشأ كذلك صالات عرض متعددة، يستفاد منها بتنظيم معارض الفن التشكيلي والنحت وغيرهما من الفنون الإبداعية. وكذلك تمنح تراخيص مخفضة لأندية اللياقة والتدريب الرياضي، مع عدم إغفال المساحات الخضراء والملاعب المفتوحة للجميع، ولك أن تتصور أننا نهدر فرصة كبيرة لإنعاش المنطقة المركزية، كونها تقع وسط تجمع سكاني ضخم لا يقل عن خمسة ملايين نسمة، يشكل منهم الشباب نسبة غالبة، مما يوفر قوة شرائية هائلة للمنطقة وأنشطتها التجارية والثقافية والاجتماعية، والكرة اليوم في ملعب "الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض"، وكل ما يحتاجه الأمر مزيدا من النشاطات الترفيهية والأفكار خارج الصندوق، وحتما أن شباب الهيئة على ذلك قادرون.

عبدالرحمن السلطان