الأحد، 27 مارس، 2016

بقالة "هرقل" العجوز


يوماً ما كان "كايل ماكدونال" يفصح عن فكرة جامحة تشغل باله منذ فترة، وهي دخول متجر بقالة وشراء كل بضاعته مرة واحدة! بالطبع تذكرون "كايل"؟ إنه الشاب الذي حدثتكم عنه قبل أسابيع واستطاع الحصول على منزل يمتلكه مقابل مشبك ورق أحمر صغير! نعم إنه هو ولكنه هذه المرة كان يتحدث مع الفنانة "جودي" وهي تلك الفنانة التي قايضته بإيجار شقة في أريزونا مقابل عقد تسجيل ألبوم غنائي.





قالت جودي: "حسنا إذا كنت ترغب شراء متجر بقالة كاملة، فعليك الذهاب إلى نيويورك، إلى بقالة هرقل"، وهو عجوز أميركي يبلغ من العمر 70 عاماً صدف أن "جودي" تعرفه منذ سنوات، وعلمت مؤخراً أنه على وشك أن يفقد متجره، لأنه لا يستطيع دفع الإيجار أو تسديد الديون نظراً لارتفاع تكاليف الإيجار والتشغيل، فأجرة متجره الصغير قفزت خلال عشر سنوات من ألفي دولار إلى ما يزيد عن ستة الآلاف دولار شهرياً، بالإضافة إلى 800 دولار ضريبة العقار نفسه. وعلى الفور أعجب "كايل" بالفكرة كونها تحقق هدفين في آن واحد، الأول مساعدة "هرقل" الحفاظ على المتجر دون جرح كرامته والثاني تنفيذ فكرته المجنونة. وخلال فترة قصيرة توجه برفقة أربعة من أصدقائه الفنانين "المفلسين" إلى متجر "هرقل" يحملون حقيبة تحتوي على 20 ألف دولار حصلوا عليها عبر بطاقاتهم الائتمانية، وانطلقوا على الفور لشراء كل ما يوجد على رفوف البقالة.
لم يصدق العجوز "هرقل" نفسه، فكأنما نجدة ملائكية هبطت عليه من السماء، ساعات وهم يجمعون كل شيء.. كل شيء حرفياً.. حتى آخر قطعة لتصل الفاتورة إلى 18871 دولاراً و 93 سنتاً! وتحقق رقماً قياسياً بطولها إذ بلغت "17.3 متراً"!





القصة لم تنتهي هنا، فمجموعة الفنانين الخمسة هؤلاء بقيادة "كايل" سجّلت مقطع فيديو يوثق قصة الشراء، وأطلقوا مدونة إلكترونية بعنوان: store buyout, ناهيك عن التغطية الصحفية المنتقاة، ثم كانت الخطوة الأروع تحويل جميع ما تم شراؤه إلى قطع فنية غريبة عبر إعادة تشكيلها أو تغليفها ثم عرضها للبيع على محبي الفنون الجديدة والغريبة، سواء عبر الموقع الإلكتروني أو متحف فنون الزخرفة شرق منهاتن.
ويا للعجب، فلقد حققت تلك القطع العجيبة مبيعات مفاجِئة، إحداها علبة كوكا كولا وضعت مقلوبة رأساً على عقب وسط صندوق زجاجي، أو قطع الشكولاتة "أم أند أمز"، أو الحقيبة الخشبية التي حملت النقود، قارورة ماء مع كوب ورق، علبتي مشروب طاقة، حتى أن قسائم مخالفات الوقوف الخاطئ التي حصلوا عليها، جراء وقوف شاحنة تخزين البضاعة وجدت من يشتريها بأضعاف ما دفعوه للمرور! فجمال الفكرة وبساطتها -رغم المخاطرة باقتراض المال- جعلها تحقق تجاوباً وأثراً مجتمعياً رائعاً ولتعود عليهم بالنفع المادي كذلك.


أوه نسيت أن أخبرك: فاتورة الشراء النهائية لا تزال معروضة للبيع في الموقع الإلكتروني، وقد وضعت وسط صندوق زجاجي كبير، المثير في الأمر أن سعرها هو بالضبط ما دفع في شراء جميع محتويات البقالة أي 18871 دولاراً و 93 سنتاً! فهل تفكر في الشراء؟

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 20 مارس، 2016

تفاصيل التفاصيل

    لا يكاد الشاب المغامر: «البراء العوهلي» يترك شاردة ولا واردة في حياته إلا سجّلها! فهو اليوم عبر منصة «سناب شات» في حسابه albara24يبث كل شيء تقريباً؛ من قهوة صباحه، مروراً بركضه اليومي ومشاريعه الدراسية، وانتهاءً بتفاصيل التفاصيل.




هذا التوثيق الممنهج لتفاصيل الحياة « Life Logging» بدأ مبكراً؛ منذ حوالي تسع سنوات!  رغبة منه في توثيق أحداث اليوم ومشاهد اللحظة، وكانت الانطلاقة على شكل مذكرات صورية لأحداث يومه، إذ كان يلتقط صورة لكل شيء يقوم به أو يزوره، بيد أن الفكرة تطوّرت واختلفت دوافعها خلال السنوات التالية بعد تخرجه من الجامعة، وتوسّعت من مجرد التصوير الضوئي، إلى مشاركتها صوراً ضوئية ومقاطع سردية عبر مختلف منصات الاتصال الاجتماعي
لكن ما الفائدة من بذل الجهد المرهق في توثيق كل شيء؟ كثيرة.. أولها أن التوثيق الحياتي يلعب دوراً أشبه ما يكون بالمرآة التي تعكس شخصيتنا، وتساعدنا على فهم دواخلنا بشكل أشمل. وعلى مراجعة يومنا دون ميلٍ أو تزييف، وبالتالي نستطيع تحديد مدى تقدمنا نحو تحقيق أهدافنا، وماهية الملهيات أو العقبات التي تقف في طريقنا نحو الأمام، كما أن الاستمرار به يدفع الموثّق لأن يكون أكثر حماسة للوصول إلى الهدف وتجاوز ما يضيّع وقته ويبدد جهده، ناهيك عن التشجّع على الخروج عن الروتين، والجرأة لخوض تجارب جديدة، ولبناء عادات مختلفة، والسبب أن مجرد ملاحظة رتابة وتقليدية يومك تجعلك أكثر ميلاً نحو التغير والخروج من الصندوق.
يقول «البراء» الذي يدرس مبتعثاً الآن في اليابان: «التوثيق أصبح جزءاً من نمط حياتي، وهو في تطوّر وتغيّر مستمر»، وهو يسعى دوماً لتحسين أسلوب توثيقه ليكون أكثر بساطة وأعمق فعالية، فهو يجزم أن التوثيق يساعد على تنمية الكتابة والحديث، وما يتفرع منها من مهارات –نحتاجها جميعاً- كجمع المعلومات وتنسيقها وتلخيصها، ثم عرضها بأسلوب سردي واضح ومشوق، وكل هذا –أيضاً- يساعد على تفعيل مناطق إضافية في الدماغ، ويسهم في زيادة تدفق الأفكار والخواطر، ويزيدها ألقاً وبهجةً مع مرور الزمن.
لذلك أضاف «البراء» أداة أخرى للتوثيق وهو كتاب التدوين، الذي أطلق عليه مسمى: «الكتاب الأسود» كناية عن لون غلافه، والذي يحمله معه أينما حل واستقر، ليسجل فيه خواطره وأفكاره عن أي شيء يقابله أو يعجبه، وليدعو من يخالطهم للكتابة أو الرسم أو حتى طباعة أختامهم على صفحاته! ولك أن تتصور غنى وتنوع ما خُط في الكتاب من مختلف البشر، والرائع أن الكتاب يتحول مع مرور الوقت إلى شريط سينمائي لأبهج لحظات الحياة، وهي ميزة إضافية تساعد على تجاوز الكآبة العابرة حينما تتصفح صفحاته وتستذكر تلك اللحظات الجميلة.
الميزة الأخرى للتوثيق اليومي هي تحوله إلى أداة فعالة لتطوير مهارات السردي القصصي لتفاصيل اليوم، كما يفعل «البراء» كل لحظة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وغني عن القول أن تحسين مهارة السرد القصصي تساعد على جذب مزيدٍ من الأصدقاء وعلى تطوير مهارة إيصال المعلومات المناسبة بالشكل المطلوب.
يجزم الكثيرون أنهم يعرفون أنفسهم! بينما لو حاول أحدهم توثيق تفاصيل حياته ليومٍ أو اثنين ثم شاهدها؛ لاكتشف الغريب والمثير عن نفسه وعن سلوكه.. جرب وأنت الحكم!

عبدالرحمن السلطان



الأحد، 13 مارس، 2016

منزل مقابل مشبك ورق!

 قبل سنوات استطاع الشاب الكندي «كايل ماكدونالد» تحقيق حلمه بامتلاك منزل؛ والمقابل مشبك ورق أحمر صغير! قد تبدو القصة مستحيلة، ولكن اقتناص فرصة المبادر الأول جعلت فكرةً حالمة تمسي منزلاً حقيقياً تمتع به «ماكدونال».





بدئت القصة منتصف يوليو 2005 حينما أعلن «ماكدونال» عبر موقع الإعلانات المبوبة «جريجز ليست» رغبته استبدال مشبك ورق أحمر، وكتب النداء التالي: «هذا لن يفاجئك، فما تشاهده أسفل الصورة هو مشبك ورق أحمر، هذا المشبك موجود على طاولتي جانب حاسوبي، وأنا أرغب مقايضته بشيء أكبر أو أفضل، ربما قلم أو حذاء!»! والعجيب أنه لم يخجل من ذكر هدفه النهائي، فهو يريد أن يبدأ سلسلة مقايضات تنتهي أن يحصل على منزل أو جزيرة أو على منزل في جزيرة، ولم ينس أن يعد بزيارة من يريد المقايضة والتقاط صور معه.
بعد أيام قليلة تلقى استجابة فتاتين من فانكفور بكندا، واللتان عرضتا استبدال المشبك بقلم على شكل سمكة، فهما في نهاية الأمر من «النباتيين» الذين لا يأكلون اللحوم والقلم على شكل السمكة يتعارض مع أفكارهما، بعد ذلك تلقى العرض الثاني من «آني» بسياتل الأميركية، وهو الحصول على مقبض باب مميز، الذي كان يمثل بالإضافة إلى أشياء أخرى تذكارات خاصة من مدينة سياتل، ولم يصدق «كايل» الخبر فأخذ بعضاً من عائلته وأصدقائه وسافر إليه للحصول على المقبض مقابل قلم السمكة.







ثم إلى ولاية «ماساشوتس» للحصول على شوّاية لحمٍ مقابل المقبض، فضلاً عن تناول وجبة شواء فاخرة! فصاحب الشوّاية بحاجة للمقبض ليستخدمه لفتح باب آلة صنع القهوة الخاصة به، وهكذا تطور عرض صديقنا «كايل» فهو يعرض الآن الشواية بالإضافة إلى شواء بعض الطعام عليها ومشبك ورق أحمر كهدية إضافية.
وهكذا من الشواية إلى مولد كهرباء، إلى آلة تقطير، إلى دراجة ثلجية، إلى سيارة شحن، إلى عقد تسجيل ألبوم غنائي، إلى إقامة مجانية لمدة سنة في شقة بمدينة «فينكس»، ثم أمسيةٍ مع فنان شهير، ثم كرة زجاجية تحمل اسم فرقة غنائية معروفة، ثم دور في فيلم سينمائي، وبالطبع خلال هذه الفترة والتي استغرقت سبعة أشهر ازدادت شهرة «كايل» وحظي بتغطية واسعة من وسائل الإعلام، لدرجة ظهوره في «السي إن إن»، حتى تحقق حلمه أن دعاه عمدة مدينة «كيبلينج» الكندية لإنهاء مشروعه فيها، بالحصول على منزل، بالإضافة إلى حمل مفتاح المدينة وأن يكون عمدتها الشرفي ليوم واحد، وهذا ما حصل فعلاً.
عاش «كايل» سنوات في البيت مع خطيبته، وحينما فكر بمغادرة المدينة خطر له أن يقايض المنزل بآخر أكبر وبالطبع انهالت عليه العروض، لكنه قرر إعادة المنزل للمدينة وأن يتحول إلى متحف لقصة المشبك الأحمر ومتجر تذكارات ينعش المدينة، وانطلق هو ليعيش قصة نجاحه عبر مدونته وكتابه الذي أصدره وعبر ظهوره متحدثاً تحفيزياً في اللقاءات العامة، فضلاً عن أفكاره الآخرى التي سوف نتحدث عنها في مقالات آخرى.




بالطبع ليس بالضرورة أن من يكرر القصة سوف يحقق النجاح، بل الفكرة هنا في اقتناص المبادرة وعدم التردد في تنفيذها، والإيمان بها وعلى قدرتها تحقيق هدفك بأسلوب مختلف عن سائر البشر، صديقي لا تحتقر أحلامك المختلفة أو الغريبة، فمن يدري فقد تحصل على منزل العمر يوماً ما بسببها.

عبدالرحمن السلطان



الأحد، 6 مارس، 2016

«صابوونة» باسم وفراس

 الجميع يعرف أن هناك فجوة ضخمة بين التنظير والواقع الحقيقي، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في قطاع الاستثمار وتأسيس المشروعات التجارية، وأكثر من يعاني هم شباب الأعمال، ممن يحاولون اقتحام مجاهيل السوق، دون خبرة كافية ودون إدراكٍ لتعقّد الاجراءات الحكومية أو مفآجات الطريق.
استمرار هذه الفجوة وتراجع أثر رواد الأعمال الشباب مؤخراً، دفع بالشابين السعوديين فراس وباسم لتبني فكرة تأسيس مشروع تجاري جديد من الصفر وحتى يقف على قدميه، ومشاركة تجربتهما مع الآخرين! بيد أن المختلف هنا؛ أن المشاركة تتم لحظة بلحظة وخطوة بخطوة، عبر بث "سنابات" مرئية لكافة تفاصيل المشروع من الألف وحتى الياء.






لستة أشهر اختمرت الفكرة في أذهان الشابين باسم وفراس، لكنهما في النهاية ورغبةً منهما مشاركة مهارتهما المكتسبة وخبراتهما الغنية في ريادة الأعمال قررا أن يؤسسا ويطلقا المشروع التجاري عبر حساب "مجلس سناب" في منصة "سناب شات" وهو الحساب المتخصص في ريادة الأعمال، الفرق هنا أنها كانت قصة حقيقية تتجاوز فخ التنظير، يعيش متابعوها فصولها يوماً بعد يوم عبر السنابات القصيرة. بالإضافة إلى إرشفتها في "اليوتيوب" بحيث تكون متوفرة للجميع في أي وقت.

وهكذا كانت البداية بالحديث عن الفكرة وعن أسباب اختيار مشروع "مغسلة ملابس"، مع العمل على تطبيق النظريات الإدارية والخطوات المناسبة لبناء المشروع وتأسيس هويته ووضعه النظامي، وذلك بالتفصيل الممل، وعبر استضافة نخبة من الشباب والفتيات السعوديين كل في تخصصه، فكانت البداية بالعمل على الفكرة والاسم التجاري للمشروع، وهو "صابوونة" الذي جاء بناءً على اقتراحات المتابعين، ولك أن تتصور أنهما تلقيا ما يزيد عن ألفي تعليق ومقترح من متابعي المشروع في السناب وتويتر، وهو ما يدل أنهما طرقا موضوعاً مهماً ومفيداً للشباب، ناهيك عن بناء هوية بصرية متكاملة للمشروع، ثم تصميم وتنفيذ ديكور المغسلة بالاعتماد على إعادة استخدام المواد المستعملة، ثم استخراج التصاريح اللازمة من وزارتي التجارة والبلدية، ثم تسجيل العلامة التجارية وكذلك فتح حساب بنكي للمؤسسة، وبالطبع دراسة السوق سواء من الاحتياجات والتكاليف المتوقعة الثابتة والمتغيرة وكذلك الفرص المتاحة، والأهم من ذلك فهم العوامل المؤثرة على المنافسة واقتطاع حصة من السوق، وبالذات المنافسة مع الوافدين ومن يتستر عليهم، ومناقشة حلول التمويل ومصاعب التدفقات المالية وإدارتها، والميزانية التخطيطية والتشغيلية للمشروع، وآلية توزيع المهام ومتابعها عبر البرامج والتطبيقات الإلكترونية.

قبل أسابيع بدأت مغسلة "صابوونة" أعمالها، لم تكن البداية مشجعة، لكنها كانت فرصة إضافية لتطوير المشروع ولإدراك مزيدٍ من أسرار المهنة، وهو ما جعل "باسم" و"فراس" يعدلان أشياء كثيرة سواء في نظام الفواتير وآلية الاستلام وتوزيع الملابس، بالطبع كل هذا تم بالتعاون والتشاور مع جمهورهما على الهواء دوماً، وبالتأكيد الأيام والأسابيع القادمة حبلى بالكثير من التعديلات والأفكار المبتكرة.
نعرف جميعاً أن للمال زكاة واجبة، ولكن ماذا عن زكاة العلم والوقت؟ هذا ما يقوم به الآن "باسم" و"فراس" دون بهرجة إعلامية، وبالكثير بالاحترافية والغنى المعلوماتي والخبرات المتراكمة، والحقيقة أنهما حققا في تلك المقاطع المرئية القصيرة أضعاف ما تحققه عشرات المحاضرات التنظيرية والكتب الأكاديمية. شكرا لكما "باسم" و"فراس".

عبدالرحمن السلطان