الأحد، 25 سبتمبر، 2016

مغالطة "الرنجة الحمراء"

البعض يحاول الفوز في كل جدل ونقاش، حتى لو كان ذا حجة واهية أو موقف خاطئ تماماً، لذا يعمد هؤلاء إلى محاولة تشتيت انتباه الطرف الآخر عن موضوع النقاش الأصلي، بعرض معلومات أو مواضيع أو نقاط جاذبة خارجة عن الموضوع، لنسقط على الفور في إحدى أكثر المغالطات المنطقية شيوعاً: مغالطة «الرنجة الحمراء»



اسم هذه المغالطة الغريب أطلق عطفاً على حيلة كان يستخدمها السجناء خلال فرارهم من السجن لتضليل كلاب الحراسة التي تُطلق لتعقبهم، حيث يعمد الهاربون إلى سحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار فرارهم ثم إلقائها في مسار مختلف، ولأن لها رائحة نفاذة تطغى على رائحتهم؛ تفقد الكلاب القدرة على تميز رائحة السجناء الهاربين، وبالتالي يستطيعون الهرب بعيداً.
لذا يقوم الخصم بالدفع نحو نقاش خارج الإطار المتوقع، ويستهلك الطرف الآخر بترهات بعيدة عن أصل الموضوع، فمثلاً حين يكون النقاش عن حظر استخدام المبيدات في حقول الخُضر والفواكة، يقوم محترف «الرنجة الحمراء» بالحديث عن فوائد الطماطم والبطاطس وأهمية تناول الخضار والفواكه، أو ضرورة اعتماد وسائل الري الحديثة لتوفير المياه. وهكذا ننحرف عن أصل الموضوع إلى مواضيع قد تبدو في بعض الأحيان ذات علاقة، لكنها علاقة سطحية غير مؤثرة على الموضوع نفسه وبالتالي نفقد السيطرة على إمكانية الوصول إلى نتجية مفيدة، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك فرقاً بين مغالطة «تجاهل المطلوب» ومغالطة «الرنجة الحمراء»، ذلك أن الأولى تصل إلى استنتاج محدد حتى لو كان غير صحيح. بينما الثانية تنحرف في اتجاه مختلف ولا تصل إلى شيء؛ فهدف الأخيرة هو استهلاك الوقت ليس أكثر، وللأسف قد نمارس نحن هذه المغالطة دون أن نعي، ونقع في فخ التضليل غير المقصود، وذلك بسبب افتقارنا لمهارة التركيز على الموضوع الأساسي وتجاهل كل ما ليس له علاقة مؤثرة.
البعض يطلق –أيضًا- على هذه  المغالطة: «سحابة (ستارة) الدخان» كناية عن تلك القنبلة التي تطلقها الجيوش لتضليل العدو، أو مطاردة «الإوز البري» التي تلهيك وتبعدك عن مطاردة هدفك الأصلي، فالهدف الرئيس هو الدفع بالنقاش خارج موضوعه، واستهلاك الخصم بمواضيع لا علاقة لها بالنقاش، فما علاقة الحديث عن مهارات الإخلاء والإسعافات الأولية حين نقاش المطالبة بزيادة رواتب الإطفائيين، فضلاً عن جذب انتباه الجمهور بمواضيع مثيرة للجدل الإضافي، فتفتح الباب لنقاش مواضيع مختلفة تحوّل النقاش عن أساسه، ولعلنا نتذكر شخصية الأسقف»مانويل ارينغاروزا» في رواية «شيفرة دافينشي» والذي ينشط وسط مؤامرات وألاعيب الكنيسة، لكننا في النهاية نكتشف أنه خدع من قبل العامل المضاد الحقيقي في القصة! والغريب أن اسم الأسقف يعني باللغة الإيطالية «الرنجة الحمراء»!
لذا وحتى نحقق المأمول من نقاشاتنا لابد من تحديد محاور النقاش، وعدم إفساح المجال لمحترفي هذه المغالطة للتشعب أو جذب الجمهور بمسألة براقة ليس لها علاقة بموضع النقاش، فمتى انحرف النقاش عن أصله كلما ابتعدنا عن تحقيق النتيجة المأمولة. ولا أسوأ من إضاعة الوقت والجهد في ما لا ينفع ولا يفيد.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 18 سبتمبر، 2016

العائدون بخُفي حُنين

ها قد اكتملت عودة جحافل المصطافين، والتي أتاحت لهم إجازة صيف هذا العام الطويلة فرصة لا تعوّض لقضاء إجازة لا تنسى، ولكن بمَ سيعود هؤلاء؟ وهم من أتيحت له فرصة زيارة بلاد ومجتمعات مختلفة، منها ما هو قريب من ثقافتنا، ومنها ما لا يتقاطع معنا في أي شيء.
الغالب الأعم –للأسف- لا يزال يبحث عن إجازة تقليدية مكررة، لا تتجاوز السكن في فندق فخم وتناول الوجبات في المطاعم الشهيرة أو السريعة، والتصوير أمام المعالم السياحية الشهيرة، ثم تمضية الوقت الباقي في التسكع والتسوق فقط، وتفويت فرصة الاستفادة الحقيقية من السفر، والأسوأ من ذلك عدم الاحتفاظ بذكريات مختلفة عن الآخرين.
لكن تخطيط الاستفادة من الإجازة يبدأ مبكراً، وبالذات بتحديد الوجهة والهدف من زيارتها، فالزيارة الاسترخائية تختلف عن سياحة الجولات والاستكشاف وهلم جرا، ثم -وهذا هو بيت القصيد-: القراءة وجمع المعلومات؛ فكلما تعمّقت بمعلومات وجهتك كلما انخفضت التكلفة وارتفع مستوى جودة الرحلة، خصوصاً وأن كثيراً من المعلومات المتداولة السريعة إما أن تكون سطحية أو ذات هدف تسويقي، وتحتاج بعضاً من الوقت لفرز المعلومات وتحديد ما يهمك ويوافق رغباتك، فضلاً عن أن قراءة تاريخ الوجهة سوف يساعدك على إدراكٍ أعمق لما أنت مقبل عليه من تعامل مع فئات السكان المحليين وأنظمة البلد، ولعل الموسوعة العالمية "ويكيبيديا" أضحت مصدراً سريعاً وخفيفاً لمثل هذه المعلومات، بالطبع لابد أن تقضي وقتاً لا بأس به لتحديد نوع وموقع السكن المناسب، وليس فقط اختياره بناءً على الأشهر والأغلى، لأن السكن وبجانب أن يكون مقبولاً من الضروري أن يكون قريباً من وسائل المواصلات العامة، فأنت لا تريد إضاعة ساعات إجازتك القصيرة بالبحث عن وسيلة نقل حتى تصل إلى وجهتك.
لا تغفل محاولة السكن –ولو مرة واحدة- عبر مواقع المشاركة الاجتماعية، التي تتيح لك استئجار مكان السكن من أحد السكان المحليين مباشرةً، كما هو الحال في موقع "أير بي إن بي" وبالتالي الفوز بصحبة رفيق سياحي من أبناء البلد، يستطيع اختصار الكثير في رحلتك وإيصالك إلى ما لا تستطيع الوصول إليه وحدك. أو التشجّع بمغامرة السكن المجاني عبر "كوتشسيرفينق" لكن شرط أن تستقبل ضيفاً في منزلك كذلك.
البحث والتخطيط المبكر يفتح لك خياراتِ أوسع، وبالذات خارج العواصم والمدن السياحية، تلكم الخيارات التي قد تكون أعلى جودة وأقل سعراً فقط لأنها غير معروفة، وهو ما يمكن معرفته بمجرد الاطلاق على مواقع تخطيط الرحلات، مثل "تريب أدفايزر" وغيرها، ناهيك عن فرصة التواصل والحياة المباشرة مع السكان المحليين، فتستطيع تذوّق الأطباق التقليدية من مصدرها وليس من مطاعم سياحية، وتتعرف عن قرب على العادات والتقاليد دون حواجز التسليع التجاري، فضلاً عن فرصة التبضع بالأسعار المحلية وليس أسعار المناطق السياحية.
السياحة فرصة لا تعوض لاكتشاف ما لا نعرف ولتجربة شيء جديد، فلا تحرم نفسك متعة التجربة، ولا تخسر فرصة الذكريات، وتعُود بخُفي حنين، فقط لأنك لا تريد أن تبذل جهداً للفوز بالشيء الوحيد الذي يبقى من رحلتك بعد عودتك.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 11 سبتمبر، 2016

قول وفعل .. عبدالله المغلوث

يكاد الكثير يفقد الثقة في كتب التحفيز والإبداع وبالطبع كتّابها، والسبب أنها مليئة بالتنظير والمثاليّة، لكنها غير قابلة للتنفيذ أو أنها على الأقل بعيدة عن واقعنا المحلي، لكن اسماً شاباً لا يزال يبهرنا برؤيته وعمق معالجته، والأهم من ذلك أنه هو مثالٌ واقعي لما يؤمن ويبشر به!.
 
 
 
 د. عبدالله المغلوث أحد قصص النجاح التي قرنت القول بالفعل، فالكثير مما يتحدث عنه مطبقٌ في حياته، ويحقق نجاحاً متوالياً، وأحد أهم ما يتناوله دوماً هو ضرورة أن يختار الشاب تخصصه الجامعي  بناءً على ما يحب، وليس ما يختاره الأهل والأصدقاء أو ما تقتضيه الصدفة أو المصلحة، ذلك أنه عاش تجربة مريرة أنهاها بقرارٍ شجاع غيّر من مستقبل حياته. فالمغلوث كان محباً للكتابة منذ أن كان طالباً قبل الجامعة، لكنه لم يفكر بالتخصص في الصحافة والإعلام، لأنه اختار القسم العلمي جرياً على عادة المتفوفين ورغبة الوالدين، ثم رغم تفوقه اختار دراسة العمارة والتخطيط في جامعة الملك فيصل ليكون قريباً من الصحافة في أوقات فراغه، لكنه ومنذ أول محاضرة لم يرتح، لتزداد قناعته يوماً بعد يوم أنه أخطأ المسار، لكنه كما الجميع يستمر لسنة ثانية كئيبة، إلى أن يصل إلى مرحلة عدم القدرة على مغادرة فراشه نحو الكلية، كان جسداً هناك بينما روحه وعقله في الصحيفة التي يتعاون معها، حتى السنة الدراسية الثالثة تشجّع واتخذ أصعب قرارٍ في حياته: ترك دراسته والذهاب للولايات المتحدة الأمريكية من أجل إكمال مسيرته الدراسية من خلال تغيير تخصص العمارة والتخطيط إلى الإعلام بعد معادلة ساعاته الأكاديمية التي حصل عليها، دون علم أسرته التي كانت رافضة أن يغيرّ مساره!.
 
 
 
لم يُخبر "عبدالله" والدته ووالده برغبته السفر إلى أمريكا وتغيير التخصص، حيث بدأ بمخاطبة الجامعات الأمريكية عبر خاله الذي كان يدرس هناك، ومن جهة أخرى تظاهر بالذهاب إلى جامعته في الدمام لدرجة أنه كان يرسم على طاولة غرفته ليوهم أمه أنه لازال يدرس العمارة والتخطيط، فقد كان خائفاً من صدمتها في أكبر أبنائها، غير أنها وبعد أسابيع قليلة صدمت بالحقيقة؛ وهي تركه للجامعة وعزمه لمغادرة على السفر دون علمهما، فلم يستطع مواجهتها عندما اكتشفت قراره سوى بلغة الدموع والبكاء الغزير. لم تتقبل والدته عدم مصارحته منذ البداية لها فتجاهلته لمدة شهر، لا تكلمه ولا تسمع له، قضته مريضة في المنزل بعيدة عن عملها كمديرة مدرسة، وقضاه هو في غرفته هرباً من مقاطعتها وغضبها، لكن قلب الأم كبير، إذ عادت له وفتحت النقاش من جديد، وتأكدت من حبه وعشقه للإعلام، وسهّلت له سرعة الذهاب إلى أمريكا.
اضطر والده للإنفاق على دراسته من حسابهم الخاص، مما زاد الضغوط على "عبدالله"، لكنه هناك شعر لأول مرة أن هذا هو مكانه وأن مستقبله بدأ للتو يتشكل، وجعل هدفه الأول والوحيد أن يثبت للجميع أنه قادرٌ على النجاح الباهر وتحقيق المستحيل في المجال الذي يعشقه، وهذا ما حدث فقد حقق معدل 3.9 من 4، مما جعله يكمل المشوار في الماجستير والدكتوراه على التوالي.
 
 
يؤكد دوماً "عبدالله" أنك ما أن تحب شيئاً بشغف إلا وقد تمهّد الطريق أمامك للتميز، "فالحب يفتت جبال التحديات ويحولها إلى صخور صغيرة تدوسها لتواصل الطريق" على حد قوله، كما أنه دوماً يستذكر حديث والدته حينما قالت له: "أن تسقط يا بني من عتبة قصيرة، أفضل من أن تسقط من عتبات مرتفعة" وهو ما فعله بالتأكيد حينما قرر أن يسقط من العتبة الأولى ويغيّر من تخصصه الجامعي وهو لا يزال في البداية على الرغم من تحقيقه لنجاحات به، ثم يتخصص في ما يحب، لينجح على رؤوس الأشهاد، ويجتهد في مشاركة تجربته وحث الآخرين نحو النجاح.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان
 

 

 

الأحد، 4 سبتمبر، 2016

"ساند" .. كيف الحال

عزيزي "ساند" أكتب لك رسالتي وأنا شبه متأكد أنك لن ترد عليها، فرسالتي الأخيرة قبل ما يزيد على العام لم تهتم بها ولم ترد عليها، فأنت ورغم كل الاعتراضات والملاحظات مضيت وبدأت برنامجك دون أن تلتفت إلى رأي المستفيدين من خدماتك، وبالطبع لن تلتفت لرسالة عابرة.
اليوم ومع توالي استغلال القطاع الخاص لمأساة المادة 77 من نظام العمل الجديد، والذي يفتح الباب واسعاً للاستغناء عن شباب الوطن دون إبداء الأسباب؛ تجعلني أكتب لك من جديد، متسائلاً عن ماذا فعلت بما تستقطعه من رواتب الشباب والفتيات السعوديين خلال الفترة الماضية، لقد زدت الاستقطاع من 9% إلى 10% من راتب المستفدين، وكذلك فعلت مع نسبة الاستقطاع من رب العمل، فصار المجموع النهائي 20% من الراتب! وهي نسبة ضخمة بجميع المقاييس، ولكن دعنا من كل هذا، ولننظر إلى ماذا فعلت للشباب الذين سرحوا من أعمالهم خلال الأشهر الماضية؟ ألا يمكن أن تخبرنا بإحصائية ولو عامة، فقط لنعرف عدد المستفدين منك، وكم تلقوا من مبالغ؟ وكم عدد من استفاد من برامج التدريب؟ هنا نستطيع أن نقول إننا استفدنا على الأقل مما يستقطع، على الرغم من المستقطع يبلغ 1% من جميع الرواتب مهما علت بينما التعويض يقف عند حاجزٍ محددٍ من الراتب الشهري لا يتجاوز 60% من الراتب الأساسي، وبحدٍ أقصى تسعة آلاف ريال في الأشهر الثلاثة الأولى ثم 7500 في ما يليه.
عزيزي "ساند" أكاد أجزم أن عدد المستفدين قليل وقد يكون نادراً، خصوصاً وأن الشرط الأول يستلزم ضرورة العمل 12 شهراً خلال ثلاث سنوات، وهو ما يقلص حجم الشريحة في السنوات الأولى من البرنامج، فضلاً عن أن تحقيق شروط الاستفادة تعجيزية وتكاد تكون مستحيلة، ذلك أن بعض الشركات قد تضغط على الشاب للاستقالة وتساومه على مكافأة نهاية الخدمة بهدف أن يكون هو المتقدم بالاستقالة، مما يجعله خارج حسابات "ساند" بشكل تلقائي.
فما الفائدة من جمع هذه المبالغ هكذا دون أن تصل لمن يحتاجها وفي وقتها؟ فالحالة النفسية للمفصول من عمله أسوأ ما يكون، ولا أعتقد أنه بحاجة إلى الدخول في دوامة أهلية الاستحقاق بدلاً من البحث عن وظيفة جديدة، ولعلنا هنا نقترح أن تشمل خدمات "ساند" مساندة الباحث عن وظيفة عبر تحمّل تكاليف مكاتب التوظيف، فهذا أجدى من الاستمرار بدفع التعويض دون الحصول على وظيفة جديدة.
قد يجادل الكثيرون أن "ساند" قد يضر جهود السعودة ذلك أنه يشجع الشركات على الاستغناء عن موظفيها السعوديين! لكن ماذا لو فكرنا بأسلوب مختلف لتمويل "ساند" قد يقلب المعادلة؛ يقوم رب العمل ومع تسريح موظفه بدفع مبلغٍ يوازي كامل راتبه خلال ثلاثة أشهر، ليقوم "ساند" بدفعها على مدار ستة أشهر للموظف المفصول، ألا يحقق هذا الهدف؟ فيحفظ للموظف أمواله، ويجعل رب العمل يفكر ألف مرة قبل الاستغناء عن موظفه السعودي؟.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان