الأحد، 30 أكتوبر، 2016

فنكوش «السناب شات»

منتصف الثمانينات أبدع الزعيم "عادل إمام" و الفنانة "ميرفت أمين" الفيلم السينمائي: "وحدة بوحدة"، والذي كان يتمحور حول قصة الشاب "صلاح" رجل العلاقات العامة اللعوب، الذي يتورط في الإعلان عن سلعة ليس لها وجود حقيقي تحمل اسم "الفنكوش"، لتتوالى بعد ذلك المواقف الكوميدية بحثاً عن هذه السلعة الأسطورية غير الموجودة أصلاً!



العجيب اليوم أننا نعيش عصر "الفنكوش" من جديد، ولكن بصيغة رقميّة هذه المرة، وبالذات عبر المنصة الاجتماعية "سناب شات"، الذي يعيش أزهى عصور انتشاره في المملكة، فجولة سريعة على حسابات "السناب شات" الأكثر متابعة، لتفاجأ بالعجيب والغريب مما يعرض عبر كاميرا التطبيق، ولتجد أن أكثرها يبيع "الفنكوش" وحسب! وبالذات حسابات ما يطلق عليهن بالفاشنستات، وهن تلك الفتيات اللاتي وجدن أنفسهن تحت منظار متابعة مئات الآلاف من البنات وغيرهن، فصارت تحاول ملء يومها بأي شيء كان. وبأي كلام مهما كان فارغاً وبلا أي معنى ولا هدف.
تلكم الحسابات التي تتربع على عرش المتابعة لا تكاد تقدم شيئاً مفيداً، فأغلب يومها دردشات وأحاديث سطحيّة، إلى زيارات دعائية لمتاجر المجوهرات والمكياج، مع تعريجٍ على محال الحلوى والهدايا، والكثير من القيل والقال، ولا تنس نفحات متتالية من "الهياط" الفارغ، ونحن نتقبل محتوى "الفنكوش" هذا عن طيب خاطر، بل يهيم البعض بالمتابعة ليل نهار لمحتوى غير موجود أصلاً، وتسجيله ثم إعادة إرساله للأصدقاء عبر قنوات الاتصال الاجتماعي الأخرى، ليزيد من متابعة هؤلاء وترتفع أسهمهن أمام شركات التسويق، وكأنما نحن أصبحنا وسيلة تسويق إضافية لهؤلاء!
المأساة هنا أن الحسابات الجادة وشبة الجادة التي تجتهد في تقديم محتوى نافع ومفيد لا تكاد تتجاوز عشرات الآلاف من المتابعين في أحسن الأحوال، ناهيك عن ضعف تفاعل الجمهور المتابع لهم، مما يصيب القائم على الحساب بخيبة الأمل ليتوقف بعد حين، والأسوأ من ذلك أن هذا الانكفاء وتوقف من يقدم المفيد يساهم بزيادة نفوذ وانتشار حسابات "الفنكوش"، وتصبح متابعة الفارغين والفارغات هي الخيارات الوحيدة المتاحة أمام جمهور المتابعين، وبالذات من الشباب.

لست أدعو هنا للتوقف عن متابعة حسابات "الفناكيش" الفارغة، خصوصاً وأنها تساعد على قتل الوقت بسرعة وكونها دليلاً مجانياً لمتابعة ما يطرح في الأسواق من منتجات جديدة، ولكن لمَ لا تجعل لما ينفعك ويضيف لثقافتك ومهاراتك نصيبا من متابعتك، فهي مجرد دقائق عابرة سريعة قد تكسبك معلومة هنا أو مهارة هناك يكون لها الفضل في تحسين أسلوب حياتك أو حل مشكلة تؤرق يومك، أو قد تفتح الطريق أمام تغيّر جوهري في مستقبلك، أما أن تحصر نفسك يومياً بحسابات "الفناكيش" فتأكد أنك لن تحصل على شيء في النهاية، فهو "فنوكش"، وهو "ما لوش وجود" على حد تعبير عادل إمام.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 23 أكتوبر، 2016

52 كتاباَ

منتصف شهر أكتوبر العام الماضي (2015) أُصبت بصدمة رقميّة مفاجئة، إذ ان نتائج تطبيق إلكتروني يقيس مدة اتصالي اليومي عبر منصات الاتصال الاجتماعي (الواتساب، تويتر، انستغرام، سنابشات، وغيرها) أظهر أنني مدمن عليها كما الغالب الأعم من المجتمع، ذهلت من الرقم فقد تجاوز الست ساعات يومياً! أي أن ربع يومي كان يضيع في ما لا ينفع تقريباً.
في تلك الأثناء كنت أعاني من هجران الكتاب، فمشاغل الحياة والالتزامات الاجتماعية، وزد عليها سطوة الاتصال الاجتماعي جعلتني كما الآخرين لا أستطيع اقتناص دقائق يومية خاطفة للكتاب، أُسقط في يدي فالوقت يمضي بلا فائدة، والأسوأ من ذلك أنني أبتعد كل يوم عن صديقي الأثير "الكتاب"، لذا قررت -وفي لحظة صفاء- أن تقليصي لمتابعة وتواجدي في الاتصال الاجتماعي لابد أن يصب في مصلحة الكتاب، وهذا ما حصل؛ فلقد قررت أن أقرأ كتاباً واحداً كل أسبوع، وبالطبع هي مهمة شاقة، لكنني ولكي أُلزم نفسي بالقراءة قررت أن أشرك متابعي في "السناب شات" هذا التحدي، فكانت الفكرة بكل بساطة أن أعلن يوم الأحد كتابي للأسبوع، ثم أقرؤه خلال الأيام التالية مع عرض بِضع تلميحات عن الكتاب عبر سنابات قصيرة، على أن أقدم عرضاً مختصراً ولكن شاملاً عن الكتاب آخر يوم في الأسبوع أي يوم السبت، وهكذا دواليك.





خلال أسابيع استطعت الالتزام بهذا التحدي، والسبب حماسة المتابعين قبل حماستي، فهم من كان يشجع، وهم من كان يسأل ويستفسر عن تفاصيل الكتب، بل وصل الأمر لاقتراح كتبٍ جديدة للقراءة، وخلال أسابيع دشنت قناة على "اليوتيوب" بعنوان "كل أسبوع كتاب" لحفظ سنابات عرض الكتب، وإتاحة فرصة العودة لها لمن رغب، بالإضافة إلى حساب في "تويتر" يحمل نفس الاسم استطاع لفت نظر بضعة آلاف من المتابعين المهتمين بالكتاب ومصادر المعرفة.
في الحقيقة لم أتصور أن أستطيع قراءة 52 كتاباً متنوّعاً خلال عام واحد، فأقصى استطاعتي كان قراءة كتاب هنا ثم الفشل في استكمال كتاب هناك، لكنني اليوم فخور بما حققت، والأجمل من ذلك هو نشوة تحقيق النصر على غول "الاتصال الاجتماعي"، الذي أضحى أكثر ما يسرق أعمارنا دون أن نشعر، فنحن نستهلك الوقت والجهد والذهن في كثير مما لا طائل منه، وبالذات متابعة والاهتمام بما ليس لنا به علاقة لا من قريب ولا من بعيد.



أعرف أن تجربتي شاقة وطويلة لكنها ليست بالمستحيلة، كما أنها دليلٌ واقعي على قدرتنا تحويل خطر "الاتصال الاجتماعي" إلى فرصة نحقق منها الكثير، فتوسع الثقافة وبناء قاعدة معرفية شاملة ليست بالأمر الهين وخصوصاً في وقتنا الحالي مع تعاظم الملهيات، لكنها اليوم أضحت أكثر سهولة لمن يؤمن جاداً أن بإمكانه الاستفادة من توفر الكتاب الإلكتروني ودعم أصحابه الافتراضيين في الفضاء الرقمي.. وأنت يا صديقي لمَ لا تقلب الطاولة على منصات الاتصال الاجتماعي وتجعلها عوناً ومقياس أداء لما تفعله مهما كان؟ بدلاً من اقتصارها على أن تكون نافذة لك لما يفعله الآخرون فقط.

عبدالرحمن سلطان السلطان




الأحد، 16 أكتوبر، 2016

مغني نوبل

في العشرين من عمره وصل الشاب «روبرت زيمرمان» إلى نيويورك، هارباً من مسقط رأسه وجامعته التي لم يكملها حيث لا يوجد تقديرٌ للفن والموهبة، وصل قِبلة الحانات والمقاهي والفن ولم يكن يحمل سوى قيثارته وحقيبة صغيرة وآمالاً عظيمة.



هناك اندمج سريعاً مع مجتمع الموسيقى والحفلات، وبالذات موسيقى «الفولك» التي كان مهتماً بها مؤخراً، بعد أن كان مستمعاً لصيقاً لموسيقى «البلوز» و»الريف» ثم «الروك أند رول»، لكنه انفتح أيضاً على أنواع أخرى من الموسيقى كالجاز، وهناك في أحد أندية الجاز تعرف على الشاعر الأميركي الثائر «إروين آلن غينسبرغ» الذي شجعه على كتابة شعر ثوري احتجاجي، يعبّر عن روح شباب المرحلة عبر موسيقى «الفولك» التي يتقنها.
خلال عام واحد فقط، ومن حفلة إلى آخرى بزغ نجم هذا الشاب النحيل، وأضحى حديث «التفاحة الكبيرة» ومطلب الشباب، ليغير اسمه اليهودي إلى «بوب ديلان» ثم يصدر ألبومه الأول، الذي حقق انتشاراً كاسحاً، فالصوت الرخيم ذو النبرة الحزينة والكلمات الثائرة كان أفضل وصفة للتعبير عن انكسارات وآمال الشاب الأميركي. ليستمر في النجاح ويفعلها في العام الذي يليه حينما كتب وغنى باستخدام آلتين موسيقيتين فقط رائعته: «في مهب الريح»، التي عبرت بصدق عن هواجس وخوالج الشاب المقدم على الحياة، الباحث عن فرصة ليثبت نفسه، وعن الحق الفطري لأي إنسان في الحرية والمساوة، من خلال مطلعها الذي يسأل: «كم من الدروب يبنغي أن يقطعها الرجل ليستحق رجولته؟» وهي القصيدة التي امتدحها النقاد لبساطتها وشاعريتها ولتأثرها بنصوص دينية دون أن تشعر بذلك، والأهم لغموض نهايتها الممتنعة حين يقول مكرراً في إجابة مفتوحة: «الجواب يا صديقي في مهب الريح»، والتي أضحت -كذلك- شعاراً لمناهضي الحروب وشباب حركات الحقوق المدنية، كما فعلت لاحقاً قصيدته التي غناها: «سادة الحروب».





لكن موهبة «ديلان» لم تتوقف، بل اتسع مداها إلى هموم الإنسانية المعاصرة بعد أن تجاوز دائرة القصائد التي تتناول قضايا أشخاص محددين، وأمسى أكثر شجاعةً لتجربة أنماط بلاغية مختلفة، ساعدته على اختصار أفكاره وتكثيفها وتقديمها في صور مختلفة، ناهيك عن تحوله السريع منتصف السبعينات إلى عزف القيثارة الكهربائية، لينتقل من موسيقى «الفولك» إلى «الروك» مرافقاً لتحول اهتمامات الشباب الأميركي، ومُعبراً عما يختلج في صدروهم.
نجاحه المتواصل لم يكن ليستمر لولا اهتمامه الكبير بكلمات أغانيه، التي تجاوزت لوعة الحب إلى «مواضيع مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة والحب» على حد تعبير لجنة جائزة نوبل قبل أيام، وبالطبع هذا الإبداع المتواصل تجاوز كتابة وغناء الشعر إلى نشر بضعة إصدارات تجريبية ومجموعة كتب ورسومات وكتاب سيرة ذاتية، والحقيقة أن «ديلان» يمثل صورة الفنان الشامل، فهو بالإضافة إلى تركيزه على الشعر والغناء هو –أيضاً- رسام وممثل وكاتب سيناريو، وكذلك نهر من الفن لا يتوقف، ذلك أنه أصدر ألبومه الغنائي السابع والثلاثين منتصف هذا العام وهو يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين!





الشيء الرائع في مسيرة «ديلان» أن فوزه كأول كاتب أغانٍ بجائزة الأدب الأولى «نوبل»، جاء ليؤكد أن مجالات الإبداع الأدبي لا يمكن حصرها فقط في الشعر والقصة والرواية، وأن مختلف الأصناف الأدبية يجب أن يكون لها من التقدير والاهتمام ما للأصناف الكلاسكية، وها هي اليوم تسجل أول «نوبل» لها والقادم أجمل.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 9 أكتوبر، 2016

في السويد: 6 = 8


هل سبق وسمعت بقانون "باركسون"؟ بكل بساطة يفترض القانون أن أي مهمة سوف يتمدد العمل فيها لكي تملأ الوقت المتاح لإنجازها، فمثلاً إذا خصصت ساعة واحدة لإنجاز مهمة محددة، مقابل ساعتين لنفس المهمة، فإنك تميل لإنجاز هذه المهمة ضمن الأوقات المتاحة، أي أن العمل يتمدد لكي يغطي الوقت المتاح سواء كان ساعة أو ساعتين!
بالطبع هذا ما يحدث في عملنا اليومي وكذلك في مهام حياتنا الخاصة، فالمهمة إذا ما كانت غير محددة بإطار زمني سوف يطول إنجازها، على عكس تلك الأخرى المحددة، هناك في مملكة السويد تلقفت بضع شركات هذا القانون منذ سنوات، واعتمدت على فكرته بتقليص عدد ساعات العمل اليومي من ثماني إلى ست ساعات فقط، على افتراض أن ما ينجز في ثماني ساعات من الممكن إنجازه في ست ساعات، متى ما توفر الحافز بساعات عمل أقل وخروج مبكر للمنزل.



مصنع شركة سيارات تويوتا غرب السويد تبنى هذا الأسلوب منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة، لُتظهر نتائج الشركة المتتالية ارتفاعاً في الربحية، وتصاعداً في سعادة الموظفين، ونسبة استقالات أقل، مما جعلها تستمر في نظام العمل ست ساعات يومياً حتى وقتنا الحاضر، الأمر الذي شجع قطاعات حكومية سويدية على تنبى الفكرة ودراستها عبر تطبيقها لمدة ستة عشر عاماً في إدارة حكومية في مدينة المناجم "كيرونا" شمال البلاد، ودراسة النتائج لمحاولة تطبيق الأسلوب وتعميمه، لكن هذه التجربة رغم بوادر نجاحها توقفت مؤخراً بسبب صراعات سياسية.
على الجانب الآخر يتزايد عدد الشركات السويدية -وبالذات شركات رواد الأعمال الشباب- التي تتبنى ساعات عمل أقل، مثل شركة "فيلمنديس" للتطبيقات الإلكترونية في استكهولم، التي اعتمدت هذا الأسلوب عبر تنويع المهام اليومية وتحديد الأهداف المطلوبة، ومنع إضاعة الوقت بالمكالمات الهاتفية الخاصة والتواصل الاجتماعي، مما انعكس على الإنتاجية وعلى مستوى سعادة الموظفين، فهم ينهون أعمالهم ويخرجون مبكراً، ويستطيعون قضاء وقت أوسع مع عوائلهم وأصدقائهم. دون إغفال تجربة المستشفى الجامعي في "غوتنبيرغ"، الذي حقق تصاعدا في إنتاجية أقسام الجراحة التي تبنت هذا المفهوم مبكراً، ناهيك عن تزايد شعور الأطباء والممرضات بالراحة النفسية والتركيز في العمل.



بالطبع ساعات العمل الثماني أطول من الساعات الست، لكنها حتماً ليست أكثر إنتاجية، وبالذات في القطاع الحكومي، حيث تغيب مؤشرات الأداء والأهداف ذات القياس المحدد، لذا يُعتقد أن اعتماد سياسة العمل لمدة ست ساعات وربطها بإنجاز مهام وتحقيق أهداف محددة سوف يزيد الإنتاجية ويرفع مستوى رضى العملاء، ناهيك أن التركيز على أداء مهمة واحدة سوف يزيد من كفاءة ساعات العمل الأقصر.
وحتى ذلك اليوم الذي تتقلص فيه ساعات العمل إلى ست ساعات؛ تستطيع أنت أن تكسب ساعات فراغ أوسع وهوايات أشمل؛ فقط متى ما وضعت جدولاً زمنياً محدداً ومكتوباً لإنهاء واجباتك العائلية والمنزلية، فهي كما الأعمال تتمدد متى ما كان الوقت المتوقع لإنجازها مفتوحاً، حينها سوف تشعر أن ساعات اليوم الواحد كافية لأي شيء ترغب به.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 2 أكتوبر، 2016

أقل وأسعد

ليس بخلاً ولا تقتيراً، لكنه أسلوب حياة حر ومختلف عن نمطنا الاستهلاكي المتصاعد، يعتمد على التخلص التدريجي مما لا نحتاج، والاكتفاء بالحد الأدنى المقبول من الأشياء والممتلكات.
دعونا نعود إلى بداية القصة كما يحيكها "ريان نيكوديمس" والذي لاحظ أن صديق عمره "جوشوا ميلبورن" لم يصب بدوامة إحباط شديد رغم أن والدته توفيّت وزواجه إنهار في شهر واحد! دعا صديقه للغداء وسأله: ما الذي يحدث؟ ألا يجب أن تكون حزيناً ومكتئباً!




هنا بدأ "جوشوا" حديثه عن رحلته إلى مقر إقامة والدته المتوفاة وذلك لنقل ممتلكاتها من هناك، شقة من ثلاث غرف ممتلئة بالأشياء والملابس والأدوات وغيرها عن بكرة أبيها كما هو حال جميع المنازل، كان مضطراً لاستئجار حافلة شحن ضخمة وكذلك مخرنٍ واسع لنقل الأشياء، لكنه وفي لحظة صفاء وبعد مشاهدته لأربعة صناديق كبيرة اكتشف أنها تحتوي على أوراقه ومتعلقاته حينما كان طالباً في الابتدائية؛ أدرك "أننا مهووسون بجمع الأشياء والاحتفاظ بالذكريات المادية"، قرر أن يتخلص من معظم هذه الأشياء بأسرع وقت. أهدى صديقات أمه، وتبرّع بالكثير وباع المتبقي، ثم تبرع بالمال للجمعيات الخيرية التي ساعدت في رعاية والدته خلال مرضها بالسرطان، ليعود إلى منزله بصندوق واحد يحتوي على أعز ذكرياته من أمه، سواء من صور أو رسومات ونحوها. وهنا بدأت قصة اهتمامه وتطبيقه لمبدأ  Minimalism أي "بساطة" الحياة.
عاد إلى شقته،  وبدأ تحدي التخلص يومياً من شيء واحد لا يحتاجه كل يوم، ومع مرور الأيام تجاوز عدد الأشياء التي استغنى عنها أيام تحديه، ولم يصدق النتيجة، قام بوضع الأشياء في صناديق وأغلقها، وبعد ثلاثة أشهر أكتشف أنه لم يفتح 80% من تلكم الصناديق أبداً! ولك أن تتصور أننا جميعاً ذلك الشخص الذي يمتلك أشياء كثيرة جداً لا يستخدمها لسنوات طويلة، فقط لأنه قام بدفع قيمتها المادية أو أنها تمثل ذكرى له. بينما التخلص منها يفسح المجال للفراغ المريح، ناهيك عن الانطلاق نحو الأمام دون قيود مادية أو معنوية، المهم تخلص "جوشوا" من تلكم الأشياء وغيرها، ولم يبق سوى ما له غرض واضح ومحدد أو ما يثير  البهجة والسعادة، ليتراجع الضغط النفسي عليه كثيراً، وليضحى أكثر حرية ومرونة في حياته، خلال أيام قليلة انضمّ "ريان" إلى صديقه، وقام يتخلص من كل ما تراكم في حياته من أشياء ومتعلقات، ليس هذا وحسب بل تطور الأمر إلى النظر لجوهر الأشياء والاكتفاء بما يحتاجه هو؛ وليس ما يعتقد أنه يبهر الآخرين عنه من ملابس وأكسسوارات وأحذية ونحوها.




وخلال سنوات قليلة تغيّرت حياة الشابين، استقالا من عملها وتفرغا للتبشير بهذا المفهوم البسيط وتطبيقاته، نعم تركا راتباً مرتفعاً في شركة شهيرة ليعيشا فقط على ما يسعدهما ويجلب لقلبيهما البهجة والهدوء، وهما اليوم يسعدان بأزهى أيام عمرهما في حياة بسيطة تماماً، فأدوات المطبخ والأثاث أقل ما يمكن، وحتى أطقم الملابس تُعد على الأصابع، صار لديهما الوقت الواسع للفراغ النافع، ولعيش اللحظات البهيجة والتفكّر في حياتهما، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، ولاستثمار العميق في علاقتهما الاجتماعية المهمة، والأهم النجاح بتحقيق شغف حياتهما الحقيقي، دون الالتفات إلى مقاييس المجتمع الزائفة للنجاح الصوري، كالثراء المادي من جمع السيارات والممتلكات والأشياء ونحوها.
والآن تخيّل حياةً بأقل قدر ممكن من الأشياء وبالذات تلكم التي تحتاج مكاناً للتخزين أو وقتاً وجهداً لمتابعتها وصيانتها، أقل مصادر للضجة، أقل إنفاقاً، أقل ديوناً، أقل توتراً، ثم زد عليها حياة بوقت فراغٍ أطول، علاقات اجتماعية مشبعة، مساهمة أوسع في المجتمع المحيط.. أليست رائعة ومريحة؟ هذا ما سوف أخبرك به بعد أسابيع قليلة بعد أن أقطع شوطاً معتبراً في رحلتي نحو البساطة.

عبدالرحمن سلطان السلطان