الأحد، 27 نوفمبر، 2016

حيث ينفع «الندم»

بالتأكيد سمعت عن الروائي الأميركي الشهير "مارك توين", الذي كتب في كل شيء تقريباً من الخيال التاريخي إلى التعليق الاجتماعي, ومن الأدب الفلسفي إلى النقد الأدبي, غير أن رأس المال الأساسي لموهبة ـ "صمويل كليمنس" - وهو الاسم الحقيقي لتوين - كان غنى تجاربه الحياتية وممارسته للغريب من المهن والأعمال, فمن صبي مطبعة إلى كاتبٍ ساخر, ومن قبطان سفينة بخارية إلى دارسٍ لما وراء الطبيعات, ومن رحالة إلى مخترع.



لكن ورغم كثرة الأقوال المنسوبة له, إلا أن حديثه عن الندم يكاد يكون الأكثر تداولاً, إذ يقول: "بعد عشرين سنة من الآن؛ ستندم على الأشياء التي لم تفعلها لا على الأشياء التي فعلتها"! وهنا مربط فرس التقدم إلى الأمام, فنحن جميعاً نتعرض يومياً للكثير من الاحتمالات ونحتاج إلى اتخاذ القرارات سواء كانت اللحظية أو تلك التي تؤثر على مسيرة حياتنا, بيد أننا غالباً ما نركن للتحفظ والبقاء ساكنين, رغم أن جرأة تجربة الاحتمالات, سوف تقودنا إلى الخيار الأكثر ملائماً لنا.
توجسنا من اتخاذ قرار ما يعود إلى الخوف مما قد يواجهك من شعور بالندم على القرار, أو الحسرة أن يكون حالك اليوم أفضل لو تجاوزت الموقف بلا قرار! وهذا بالطبع غير صحيح, فقرارك السابق يُفترض أنه بني على معلومات وشواهد وخبرات, وكان القرار الأفضل في حينه, ولو عاد بك الزمن وفي نفس الظروف سوف تتخذ نفس القرار, المأساة هنا أن تبقى مُضيعاً وقتك وفكرك في حدثٍ من الماضي انتهى ولن يعود!
حينما تتشجع لخوض غمار تجربة جديدة؛ فأنت تفتح باباً أوسع لخبرات حياتك وتضيف فصلاً لما تفخر به, فمثلاً ها هو صاحبنا "مارك توين" يتخذ قراره الالتحاق بأخيه في "نيفادا" ليضطر الارتحال عبر منطقة السهول العظمى وجبال الروكي, وفيها يقابل ويتعامل مع مجتمعات "المورمون", ثم ليستلهم منهم كتابه "الحياة الخشنة", ناهيك عن رحلته عبر نهر "المسيسبي", حينما أوحى له قبطان السفينة البخارية بالعمل قبطاناً مثله, مما جعله يستغرق سنتين من عمره حتى يمسي قبطاناً, وليخرج من تجربته هذه بروايته الشهيرة "مغامرات توم سوير".




هذا من جانب ما قدر يقودك اتخاذ قرار ما إليه وليس البقاء بلا قرار, أما الأجمل هنا فهو أن أبحاث علم النفس تؤكد يوماً بعد يوماً أننا كأفراد نُقدر ونفخر بتجاربنا – حتى لو كانت مريرة أو غير ناجحة - أكثر بكثير مما نملك من مال أو نفوذ. وأي قراءة سريعة لسير الناجحين لتجد أنهم وفي لحظة فارقة قد اتخذوا قرارا كان ليبدو أنه قرار غير حكيم, لكنهم لو لم يتخذوه لبقوا طوال عمرهم يعضون أصابع الندم.
بالطبع التفكير المسبق بالقيام بالأشياء وعواقبها مهم, لكن لا يجب أن تبقى هكذا دون أن تقوم بشيء فقط لتحمي نفسك من ألم "الندم", فلا أسوأ من أن تبقى متحسراً على ما لم تفعل, بدلاً من أن تندم على ما فعلت.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 20 نوفمبر، 2016

البقاء متفرجاً

يستمع للكثير من المحاضرات التحفيزية, يشارك في معظم وسوم الاتصال الاجتماعي, لا يترك شاردة ولا واردة إلا أدلى بدلوه فيها, بل ويقدم النصائح الاجتماعية والتوجيهات الإدارية, ناهيك عن الاستشارات التجارية للمستثمرين الشباب؛ ولكن!
ولكن هنا بيت القصيد, رغم كل هذا الاهتمام لا يزال في النهاية واقفاً في مكانه, متفرجاً على الجميع, سواءً من يتقدم إلى الأمام أو حتى من يتراجع إلى الخلف, رغم أنه بوقوفه في مكانه فكأنما يتققهر إلى الوراء, لأن الآخرين إلى الأمام يتوجهون, تلكم هي مشكلة الكثيرين ممن يعرفون درب النجاح, ويدركون وصفة الإنجاز, لكنهم لا يفعلون شيئاً, فقط يتجمدون في دائرة اهتمامهم, ولا تعرف أهو بسبب الكسل؟ أم الخوف من التغيير؟ أو عدم رغبة الخروج من منطقة راحته.
أن تبقى متفرجاً بلا أي حركة نحو التغيير فذلك حكمٌ ظالم على إمكاناتك ومواهبك كإنسان, وأن تحرم نفسك لذة النجاح ومتعة الصعود, والمصيبة هنا أنك أول من يؤمن أن النجاح يحتاج شجاعة الإقدام والقفز نحو الأمام, وليس البقاء متفرجاً على ما يفعله الآخرون, كما فعل الملياردير اليوناني الأصل: "أرتيسول أوناسيس" وهو أحد أغنى أغنياء العالم, حينما انطلق في عالم التجارة فقط لأنه لم يرغب أن يبقى مستمعاً لمكالمات رجال الأعمال حينما كان يعمل في شركة الهاتف البريطانية في "بوينس آيرس" الأرجنتين, اكتسب المعلومات العلنية والخفية وانطلق يلاحق حلمه نحو المليارات. أو الشاب الأميركي "جاك دورسي", الذي ظل يلاحق حلمه بفكرة مشاركة الرسائل القصيرة مع الأصدقاء, ولم يبق متفرجاً يتغزل بفكرته الجامحة, حتى استطاع بعد سنوات من تجاوز رهاب فشل التجارب المتتالية, ولم يجعلها حجر عثرة أمام خوضه تجارب أن يطلق "تويتر", ويحقق فيه النجاح الأعظم.
بالتأكيد إن لكل منا حلماً أو فكرة يتمنى رؤيتها على أرض الواقع, فكيف يمكن أن تحققها وأنت تقف متفرجاً تشاهد الآخرين يتجاوزونك, عزيزي.. لن تحقق أمنيتك دون أن تتحرك ودون أن تتغلب على حذرك من التغيير والانتقال نحو دائرة التعلّم, فكن كما قال "أبو القاسم الشابي": "إذَا مَا رمحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ = رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر", فالتشجع نحو الإقدام يساعدك على تجاوز الصعاب مهما كانت صعبة, وقد يقودك إلى شيء لم تكن تفكر بها, فيمسي تعثّرك في مرحلة ما هو مدخلك لما قد يغير مستقبل حياتك, ودعني أصدقك القول إن استمررت بالخوف من الحركة نحو الأمام؛ سوف يكون هذا "الخوف" هو الحائط الذي تتكسر عليه آمالك وآحلامك, ولا أسوأ وأكثر يأساً –يا صديقي- من أن تعيش بقية عمرك متفرجاً ومعلقاً على آمال وأحلام الآخرين فقط.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

أعقد مكان في السعودية!


بادرني بسؤالٍ غير متوقع:  هل تعرف ما هو أعقد مكان في السعودية ؟ قلت له: المستشفيات التخصصية!  مجلس الشورى! رد عليّ مبتسماً, بل هي المطارات يا صاحبي!

نعم هي المطارات, فأنت  لا يمكن أن تحصي عدد الجهات الحكومية والخاصة العاملة في المطار الواحد, ناهيك عن تداخل وضبابية الاختصاصات, واختلاف المرجعيات والصلاحيات. ولك أن تتعجب أن صاحبي سبق أن واجهته ست مشاكل في مطار واحد, ليكتشف أن كل مشكلة كانت من اختصاص جهة ما!



فمثلاً أول من تواجه في المطار  هو موظف إصدار بطاقة صعود الطائرة, والتي لا يعلم  الكثيرون أن من يقوم بها ليس موظف خطوط الطيران نفسها؛ بل موظف شركة الخدمات الأرضية، وأما موظفوا الخطوط فهم من يعمل في مكتب بيع تذاكر الخطوط نفسها أو داخل الطائرة! لذا وعندما يُفرّق بينك وبين زوجتك في المقاعد لا بد أن تعيد النظر قبل أن تنتقد خطوط الطيران!

تصل لمنطقة التفتيش الأمني والتي غالباً ما تجدها تعمل أقل من طاقتها الاستيعابية, وبالطبع سُبات بعض المسارات ليس لإدارة المطار أي ناقة أو جمل فيها؛ لأن هذه المنطقة تحت مسؤولية الجهات الأمنية,  بعد تجاوز التفتيش تتحول مسؤولية الإشراف الأمني إلى ما يطلق عليه بالمنطقة المعقمة, وهي تحت مسوؤلية القوات الجوية التابعة لوزارة الدفاع, والتي كانت مسؤولة سابقاً عن أمن المطار كاملاً, لكنها اليوم مسؤولة فقط عن هذه المنطقة, ولك أن تتصور أن مدير المطار نفسه يصدر بطاقته من خلال قائد قوات الجوية بالمطار!

والآن دعنا ننتقل إلى مرحلة القدوم, فالبعض يتذمر من تأخر وصول حقائبه رغم أن المعدل العالمي لاستلام الحقائب هو 24 دقيقة، وسبب التذمر هو سرعة وصول المسافر إلى "سير" الحقائب قبل وصول حقائبه, ففي مطار الملك خالد مثلاً  يستغرق الخروج من بوابة الطائرة حتى تجاوز الجوازات سبع دقائق فقط! ومن المعروف أن الحقائب تخضع لتفتيش أمني قبل أن توضع على "السير" وهو ما تقوم به الجهات الأمنية. ثم بعد الاستلام تبدأ مرحلة أفصاح الجمارك, وهي جهة أخرى مستقلة تماماً عن إدارة المطار.  وما أن تخرج من الباب حتى تواجهك جحافل "الكداده", والذين لا يمكن لادارة المطار فعل شيء نحو منعهم, لأنها ليست جهة ضبط كالشرطة او المرور ،

بالطبع تصغر هذه المشكلة أمام ضبابية التفريق بين الخطوط الوطنية والمطارات، ذلك أن شركة الخطوط مسؤولة عن الطائرات والنقل الجوي فقط، بينما المطارات تابعة لهيئة الطيران المدني, التي تشرف على المطارات وعلى منظومة الملاحة الجوية بالمملكة.

كان الله في عون من تولى إدارة أي مطار, فبين جدران هذه المنشأة الكثير من الجهات التي لا سلطة له عليها من جمارك وجوازات ومباحث واستخبارات وشرطة ومرور, وما تعرف وما لا تعرف!

عبدالرحمن سلطان السلطان






الخميس، 17 نوفمبر، 2016

سينما غير أمريكية!




هل فكرت يوماً بمشاهدة الفيلم الإيطالي «الجمال الكبير»؟ الاحتمال الأكبر أنك لم تفكر بذلك لأسباب عديدة، أهمها أنه فيلم باللغة الإيطالية وليس بالإنجليزية كما هو حال معظم الأفلام التي نشاهدها، ثانيها أننا تعودنا نمط الأفلام الهوليودية ذات الإنتاج الضخم والمبهر، وليس تلك الأفلام البسيطة المعتمدة على قصة خلاقة وفكرة لافتة.

لكن دعني أخبرك أننا نحرم أنفسنا - دون نعلم - متعةً لا تصدق، فالتجارب السينمائية في الأمم الأخرى لديها الكثير مما يجب أن نشاهده، ولديها الرائع مما قد يؤثر في عقولنا ويحرك مشاعرنا، ذلك أنها تعرض قضايا ومحاور مختلفة، بعضها - ويالعجب - قد يكون قريباً مما نعيشه نحن على عكس ما تقدمه السينما الأمريكية، والأجمل أنها ترسم بصورة معالجة مختلفة عما اعتدنا مشاهدته في السينما الأمريكية، فلمَ لا تحاول يوماً ما أن تختار لسهرتك فيلماً سينمائياً غير أمريكي؟ بالطبع لا أضمن لك أن تعجب بما تشاهد، لكنني أؤكد لك أنه سوف تشاهد شيئاً مختلفاً. لذا فإن تشجعت يوماً لتلك المحاولة؛ فدعني أقترح عليك بضعة أفلام من «المتوقع» أن يعجبك أحدها:

الفيلم الأيطالي «الجمال الكبير» (2013)، الذي يدور حول الكاتب العجوز «جيب جامبرديلا»، الذي يعيش حياة رغدة وليالٍ صاخبة في «روما»، متاحاً له الاستمتاع بالطبيعة الخلابة والعلاقات الاجتماعية المخمليّة، لكنه مع ذلك لا يشعر بالسعادة، ويحن إلى أيام صباه، فنعيش نحن وإياه تنقلات بين عتيق «روما» وحاضرها اليوم.



ومنه إلى الفيلم الإسباني «متاهة بان» (2006) عن تلك الفتاة الصغيرة التي ترحل صحبة والدتها الحامل لتعيش مع زوجها الجديد «القائد العسكري» خلال فترة القمع العسكري للجنرال «فرانكو»، ثم إلى أمريكا الجنوبية، حيث الفيلم الأرجنتيني «السر في أعيونهم» الحائزة على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2009م، لنعود مع المحقق القضائي المتقاعد «بنجامين اسبوزيتو»، ليكتب عن جريمة اغتصاب وقتل فتاة لم تحصل قبل ثلاثين عاماً.





أما في السينما التركية فعليك بفيلم «بيات شتوي» للمخرج التركي «نوري بيرغ سيلان»، وهو الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان عام 2013م، حيث الممثل السابق «أيدين» الذي يدير فندقاً صغيراً مع زوجته، في الوقت الذي لا تزال شقيقته تعاني آثار طلاقها، ومع حلول الشتاء يتحول الفندق إلى ملجأ لا يمكن الهروب منه.




أما في السينما الفرنسية، فعليك بالفيلم الدرامي الفكاهي «المنبوذون» «2011م» عن القصة الحقيقية للثري المشلول «فيلب»، الذي يستأجر «إدريس» الفقير لرعايته والعناية به، لتتطور الأحداث ويقوم كل منهما بتغيير حياة الآخر.




وبعد فالقائمة تطول وتمتد، ذلك أن كل بلد ذي صناعة سينمائية يفخر بالكثير مما يجب على عاشقي الفن السابع أن يشاهدوه ويستمتعوا به، بيد أن الخطوة الأولى تبدأ بالخروج من قفص «هوليود» نحو سماء الإبداع الإنسانية، حينها سوف تكتشف عالماً واسعاً من الخيارات الممتعة.
عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 13 نوفمبر، 2016

رئيس «أمازون» ثم منتدى «مسك»

قبل أيام قليلة زار المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أمازون "جيف بيزوس" المملكة, وقابل سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ومجموعة من المسؤولين كوزير التجارة والاستثمار ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية, هذه الزيارة اللافتة لأحد أهم قادة التجارة الإلكترونية جاءت متوافقة مع الحدث الضخم الذي تحتضنه العاصمة الرياض بعد يومين, وهو منتدى "مسك" العالمي, الذي يجمع لأول مرة جوقة منتقاة من أبرز عقول العالم هنا, أمام شبابنا وفتياتنا المتعطشين للمعرفة والخبرة.



لكن دعونا نَعُدْ إلى الوراء قليلاً, إلى شهر يونيو الماضي حينما كان "وادي السيليكون" على رأس جدول أعمال زيارة سمو ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية, جولات واتفاقات مكوكية, من "فيسبوك" إلى "أوبر" و "أكاديمية خان", ومن عملاق التقنية "مايكروسوفت" إلى العملاق الآخر "سيسكو", ولا تنس الفخر بالشباب السعوديين العاملين في كبريات شركة التقنية في "وادي السيليكون", كل هذا الزخم يؤكد الرسالة الواضحة أن أحد أهم مسارات رؤيتنا الوطنية تمر عبر فرص تقنية المعلومات, وتطويعها لتكون مصدر تنمية مستدامة وتنافسية متصاعدة.
والآن لننتقل الى ما يحدث في الرياض بعد ثمان ورابعين ساعة فقط. حيث نجد نخبة رواد الأعمال الشباب وقادة المبادرات المبتكرة من 65 بلداً حول العالم يقدمون خلاصة تجربتهم هنا, أمام نحو 1500 شاب وشابة نصفهم من شبابنا ونصفهم الآخر من كافة أنحاء العالم, أو ليست تلك دعوة نحو انطلاق شبابنا لاغتنام فرص التعلّم وتشارك المعرفة والتجربة للفوز بالنجاح؟ دون الحاجة لإعادة اختراع العجلة من جديد, فهناك –مثلاً- "سام ألتمان" أحد ممولي موقع "Airbnb" أشهر موقع لحجز وتشارك الغرف المنزلية, أو الأندونيسية "دياجينغ ليستاري" مؤسسة موقع "hiijap" الناشط في بيع الملابس النسائية الإسلامية, والذي حصل على تمويل من صناديق الاستثمار في وادي "السيليكون", أو الطاهي "بدي فالاسترو" نجم برامج الطهي ومستثمر الفنادق الذكي, وغيرهم من رؤساء البنوك وصناديق الاستثمار وقادة المبادرات الشبابية عبر العالم.
لا غور أن الكرة اليوم وسط ملعبنا نحن الشباب, فإما أن نلتقطها ونتقدف بها نحو الأمام, وإما أن نقف في المدرج نتفرج على الآخرين من حولنا يجربون ويبدعون وينطلقون إلى الأمام, ونبقى نحن مجرد رجع صدى لما ينجزون, من الضروري أن نؤمن أن كل هذه التحركات الرسمية عبر "مجلس الاقتصاد والتنمية" وغير الرسمية عبر مؤسسة "مسك" الخيرية وغيرها تؤكد رسالة واحدة: أنه عصر الشباب المتعطش للمعرفة والقادر على تحولها إلى استثمار مجزٍ وقوة ناعمة لبلادنا.
نحن الشباب أمام فرصة تاريخية فإما أن نتشجع ونمسك زمام المبادرة, ونشارك في تنويع مصادر الدخل, ونستفيد من شبابية مجتمعنا والمجتمعات المحيطة بنا, أو نستكين للراحة والدعة, ونبقى أسرى أحلام اليقظة والأماني.. الخيار بيدك.. أنت وحدك.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 6 نوفمبر، 2016

قرارات جماعية حمقاء.. مفارقة «أبيلين»

ذات أمسية حارة في مدينة "كوليمان" بتكساس، كان أفراد العائلة يلعبون الدومينو في شرفة المنزل، وفي لحظة ما اقترح الحمو أن يتناولوا عشاءهم في مدينة "أبيلين" "85 كلم شمالاً"، قالت الابنة "تبدو فكرة عظيمة".. زوجها ورغم أنه كان يفكر بجميع تحفظات الحاضرين، كالجو الحار والمسافة الطويلة.. لكنه يرغب أن يكون متناغماً مع المجموعة، فيقول لزوجته: "تبدو مناسبة لي.. أتمنى أن يكون لدى والدتك الرغبة بالذهاب" ترد والدة الزوجة: "طبعاً أرغب الذهاب.. لم أذهب إلى أبيلين منذ فترة طويلة".



الرحلة لم تكن رائعة.. فالطريق طويلة والجو حار، والطعام كان سيئاً كما الرحلة، أحدهم قال: "كانت رحلة رائعة، أليس كذلك؟" ترد والدة الزوجة أنها كانت تفضل البقاء في المنزل، لكنها ذهبت لأن البقية كانوا متحمسين للرحلة، غير أن زوج البنت يفصح: "أنا لم أكن سعيداً بالخروج، فعلت ذلك فقط لإرضائكم"، هنا قالت زوجته: "أنا خرجت لتكون سعيداً، يجب أن أكون مجنونة لأفضل الخروج في هذا الجو الحار" الحمو يقول إنه اقترح الرحلة فقط لأنه شعر أن الجميع أصابه الملل. وبعد موجة من الاتهامات المتبادلة بقوا جميعًا في صمت وحيرة لأنهم أدركوا أنهم قرروا "معاً" الذهاب في رحلة لم يرغب بها أحد منهم.
ما سبق من قصة تتكرر كثيراً وبأساليب متنوعة هي "مفارقة أبيلين"، والتي ابتدعها عالم الاجتماع "جيري هارفي" معتمداً على مفهوم وتطبيقات "التفكير الجماعي". تلك المفارقة تحدث حينما تتخذ مجموعة من الأفراد بطريقة جماعية قرارات معاكسة لرغبات أكثر أو جميع أفراد هذه المجموعة! ذلك أن المجموعات الصغيرة تميل إلى احترام قادتها ووحدتها، وبالتالي تتخذ قرارات مشوّهة ومعطوبة، يعود سبب ذلك إلى رغبة تلك المجموعات الاحتفاظ بتماسكها وإجماعها، لذا يغض أعضاء المجموعة الطرف عن مشاكلهم ورغباتهم الشخصية خلال عملية اتخاذ القرارات، بهدف حفظ التماسك والإجماع، وكذلك خوفاً من "اضطراب قلق الانفصال" عن مواكبة قرار الجماعة، وبالطبع تحاول المجموعة إقناع نفسها أن قراراتهم الجماعية معاً رائعة وأن تحقيقها النجاح أمر طبيعي، غير أن النتيجة بالطبع غير مناسبة للجميع.





إشكالية غياب التنوع داخل المجموعة، وعدم تشجيع الآراء المختلفة؛ تؤدي إلى كبح جماح الاختلاف وموت الإبداع، لذا يبدأ الأفراد الميل نحو التوفيق بين آرائهم الخاصة والاتجاه العام للمجموعة، وغالباً ما تكون النهاية تحوّل رأي الأقلية إلى عزلة صامتة عن المجموعة، وهو ما يحدث غالباً في اللجان والمجموعة الكبيرة والعسكرية.

تكاد تكون المشكلة الأساسية في الاجتماعات دوماً ليست الصراع حول القرارات وإنما عدم القدرة على التعامل مع الاتفاق، ذلك أن معظم نتائج إجماع القرارات يكون إجماعًا زائفًا يضر المجوعة نفسها؛ لذا يقترح دوماً التعامل بأسلوب هجومي مع هذا الإجماع الصوري، عبر سؤال أفراد المجموعة مباشرة: هل نحن ذاهبون إلى "أبيلين"؟! حتى يتشجع الآخرون للإفصاح عن مخاوفهم وأفكارهم المختلفة، وحتى لا نذهب جميعاً إلى "أبيلين"، ونحن "جميعاً" لا نرغب ذلك.

عبدالرحمن سلطان السلطان