الأحد، 26 مارس، 2017

مساعد الخياط


لم يتخط ربيعه الرابع عشر إلا أنه كان مضطراً للعمل، ترك دراسته واتجه ليساند أسرته الفقيرة، حتى انتهى به المطاف بائعاً في متجر ملابس جاهزة، ليمسي المسؤول عن توصيل الملابس للزبائن الأثرياء.

بعد عامين من الكد صار "أمانسيو أورتيغا" مساعداً لخياطي الشركة، ليكتسب خبرة إضافية في مراحل إنتاج الملابس، وهكذا من محل إلى آخر، حتى صار مديراً لمتجر ملابس في "لا كورونا" الإسبانية، غير أن عينه الثاقبة كانت ترقب المشهد وتحلّل ما يراكمه من خبرة؛ لاحظ أن معظم الأزياء تصمم وتخاط ليشتريها الأثرياء فقط، وأن من دون ذلك ليس له سوى الملابس العادية التي تنتج متشابهة وبكميات ضخمة! تولّدت لديه فكرة إنتاج أزياء فاخرة بأسعار رخيصة! ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
 
 

بالتأكيد لا بد من تخفيض تكلفة الإنتاج، لذا أضحى يمضي يومي نهاية الأسبوع في منزل عائلته لتصميم أزياء حديثة، ومحاولاً تقطيع مجموعة أقمشة رخيصة يدوياً دون معدات الخياطة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى نجح في بيع أول مجموعة ملابس نوم من تصميمه وتنفيذه بأسعار زهيدة، وهكذا عمل لسنوات حتى استطاع من أرباحه ومن راتبه المُدخر امتلاك أول مصنع ملابس وهو لم يتخط 27 عاماً!

مصنعه الأول كان مخصصاً لأردية الحمامات، ومنه انطلق نحو التوسع المتسارع، وخلال عام واحد استطاع افتتاح أول متجر يحمل العلامة التجارية "زارا"، في أشهر مجمع تجاري في بلدته "لا كورونا"، لأنه واعتماداً على خبرته الأولى في تكاليف تصنيع الملابس أدرك أنه لا بد من تخفيضها بأي طريقة، فقرر تجاوز الموزعين وتجاهل الإعلانات، وركز على تملّك جميع مراحل الإنتاج والتوزيع، ليحقق هدفا ألا تتجاوز دورة تصميم وتصنيع الملابس، ثم توزيعها على الأسواق 15 يوماً!
 
 

سرعان ما ذاع صيت "ألبسة الموضة بأسعار رخصية"، وهي ما كانت مستخدمة في متاجر "غاب" الأميركية و"نكست" البريطانية، لكن فكرة "زارا" كانت جديدة على السوقين الإسبانية والأوروبية لاحقاً، ناهيك عن سيطرة سلاسل متاجر لم تهتم بتلبية الجيل الشبابي الصاعد، وهكذا توسعت متاجر "زارا" وخلال سنوات أطلق "أورتيغا" علامات تجارية أخرى لتلبية شرائح متنوعة من المجتمع، كلها تتمحور حول فكرته: "جعل الموضة أكثر ديمقراطية"، ليضيف وهو ابن عامل سكة الحديد: "بعكس فكرة أن الموضة هي حق الثري، نحن نقدمها لتملس جميع طبقات المجتمع".

بالتأكيد أن سر نجاحه ليس أنه بدأ من قاع المهنة حتى قمتها كما الكثيرون! بل لأنه التقط المختلف منذ البداية وجاهد لنجاحه، حتى أضحى اليوم أثرى أثرياء الأرض وهو مجرد مساعد خياط.

 

الأربعاء، 1 مارس، 2017

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !

عرض - حمد بن هتفر

 ماذا لو كنت مكان أبطال القصص المائة بين دفتي كتاب "ماذا لو"؟ هل سوف تتشجع وتخوض غمار تجربة لا تعرف نهايتها؟ أم تتمسك بمكتسبات الواقع لتتنازل عن فرص المستقبل؟
هذا هو جوهر كتاب "ماذا لو؟" الصادر في 365 صفحة مؤخراً للكاتب في "الرياض" الزميل عبدالرحمن بن سلطان السلطان, عن دار مدارك للنشر, الذي يحلق بنا في مدارات العصور والازمنة بواقع أشبه بالخيال في مئة قصة قاسمها المشترك انها ليست بدعا أو أحلام يقظة , القلّة من أبطالها نجح من المرة الأولى, بينما الآخرون احتاجوا إلى كرّات متتالية من الفشل والخطأ للوصول الى النجاح .




يرى المؤلف في مقدمته أن يترك القارئ كل نظريات النجاح وكتب التحفيز والإبداع , وأن يبتعد عن الخطط المرسومة بالمسطرة والقلم؛ ليؤكد أن عنصر النجاح الأول يكمن في الشخص نفسه, لأنه ليس نسخة مكررة ممن سبقوه , من هذه القاعدة تنطلق نصوص وحكايا كتاب "ماذا لو؟", من حقيقة أن النجاح هو النتيجة الطبيعة للروح الإيجابية المتواصلة, وأن المبادرة مهما كانت مبتكرةً لن تزهر دونما شجاعة تقود إلى القفز فوق أسوار المجهول والمختلف, كما في القصص والتجارب التي يتناولها الكتاب من داخل المجتمع السعودي, وحتى أقصى الشرق والغرب, والتي نشر بعضها في عمود المؤلف في صحيفة "الوطن" ثم صحيفة "الرياض" وكذلك مجلة اليمامة الأسبوعية ومدونته الشخصية.
فمن شيكاغو إلى الرياض, ومن مملكة السويد التي استعانت بشبان سعوديين إلى الرجل الذي يعمل بقارتين في آن واحد, ومن القصة المنسية عن تأسيس الدوري الإنجليزي لكرة القدم إلى العجوز الفرنسية التي حَجرت على نفسها!,

وكذلك تجارب وقصص الناجحين ذات المسارات والنهايات المختلفة, التي سلكت طريقاً مختلفاً, أو ابتكرت أسلوب معالجة مختلفاً؛ وتناول أيضاً وجهات نظر مختلفة عن قناعاتنا, مثل فكرة أخذ إجازة لمدة سنة كاملة كل سبع سنوات, أو تحقيق المستحيل بالسفر حول العالم في 21 يوماً, ولم يغفل محاولة تطوير قناعاتنا في أساليب التعليم كما هي قصة الشاب ذي السبعة عشر ربيعاً الذي أتقن الحديث بعشرين لغة حيّة, أو الموقع الإلكتروني الذي أفسح المجال لتعلم اللغات بشكل مذهل أو التعلم من الشارع ..!

كما لا يخلو الكتاب من الحكايا الطريفة التي كانت سبباً في نجاح أصحابها مثل جوائز "أي جي نوبل" التي تمنح للابتكارات الأكثر سخافة وتفاهة في العالم, أو كتاب "رسائل حب لرجال عظماء" الذي ألف لاحقاً.

ولأن كثيراً من هذه القصص تخالف ما اعتدنا عليه من تقاليد فقد لايصدقها البعض من الوهلة الأولى.. إلا أنه قد يعيد النظر في جانب من أساليبه, ويخرج نحو مناطق تعّلم أبعد مما كان يتوقع ..

والاهم أن يؤمن أن جزءًا من نجاحات أبطال الكتاب جاء بسبب شجاعتهم في اقتحام المجهول ونزع الخوف منه لتحقيق هدف التساؤل ,

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !